شرح العقيدة الواسطية - الإيمان بالملائكة
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وأحسن الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة،
وكل ضلالة في النار.
فقد ذكرنا في المقالة السابقة كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن اعتقاد الفرقة الناجية
وهي أهل السنة والجماعة، فقال في هذا الاعتقاد :
... وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره ...
ثم تكلمنا عن أول أركان الإيمان وهو الإيمان بالله عز وجل، وأن الإيمان بالله تعالى يتضمن أربعة أمور هي:
1- الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى .
2- الإيمان بربوبيته .
3- الإيمان بانفراده بالألوهية .
4- الإيمان بأسمائه وصفاته .
وختمنا الكلام بسرد دلالات وجوده سبحانه وبحمده .
والآن في هذه المقالة نستكمل الحديث عن أركان الإيمان، فنتحدث عن الركن الثاني، وهو الإيمان بالملائكة .
- الملائكة جمع ملأك، وأصل ملأك: مألك لأنه من الألوكة أي الرسالة، قال تعالى: {جَاعِلِ الْمَلَآئِكَةِ رُسُلاً أُولِي~ أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَأعَ } (فاطر:1)
والملائكة عالم غيبي، خلقهم الله تعالى من نور، وجعلهم طائعين، ومتذللين، وعابدين له جل جلاله، وجعل لهم وظائف متعددة لكل واحد منهم وظيفة خاصة به مثل جبريل عليه السلام فهو الموكل بالوحي ينزل به من الله تعالى إلى من شاء من رسله .
وإسرافيل الموكل بنفخ الصور، وهو من حملة العرش أيضًا .
وميكائيل الموكل بالقطر أي المطر والنبات .
فهؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة، فجبريل موكلٌ بالوحي وفيه حياة القلوب، وميكائيل موكلٌ بالقطر والنبات، وفيه حياة الأبدان في الدنيا، وإسرافيل موكلٌ بنفخ الصور، وفيه حياة الأجساد يوم القيامة.
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل أن يقول في دعاء الاستفتاح:" اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة ... " (أخرجه مسلم).
ومن الملائكة من هو موكلٌ بقبض الأرواح، وهو ملك الموت وهذا اسمه ولم يرد له في الكتاب والسنة اسمًا آخر، قال تعالى: { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِلَ بِكُمْ } (السجدة-11)
وله أعوانًا من الملائكة يأخذون من الروح التي قبضها .
وكذلك من الملائكة ملائكةٌ سيَّاحون في الأرض، يلتمسون حِلَقِ الذكرِ، فإذا وجدوها جلسوا
كما أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تعالى تنادوا هلموا إلى حاجتكم . قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ".
وكذلك هناك ملائكة يكتبون أعمال بني آدم كما قال تعالى: { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظُينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) } (الانفطار) .
ومنهم ملائكة يتعاقبون على بني آدم في الليل والنهار، ومنهم ملائكة ركَّع سجود لله تعالى كما روي عن أبي ذرٍ رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع منها إلاَّ وفيه ملك قائمٌ لله، أو راكعٌ، أو ساجدٌ ".
(رواه أحمد والترمذي وابن ماجه) والأطيط: صرير الرحل، أي: إذا كان على البعير حِملٌ ثقيلٌ، تسمع له صريرٌ من ثِقَلِ الحِمل .
وهذا مما يدل على كثرتهم، وقد روى مسلمٌ في صحيحه عن أنسٍ رضي الله عنه، في قصة المعراج، وفي البيت المعمور الذي مرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يطوف به، أو قال: يدخله سبعون ألف ملكٍ كل يوم، ثم لا يعودون إلى آخر ما عليهم ". أي: يدخله كل يومٍ سبعون ألف ملكٍ غير من سبق .
ومنهم من وكله الله سبحانه وبحمده بالجنة، واسمه رضوان كما ورد في السنة، ومن وكلَّه بالنار، واسمه مالك كما جاء في القرآن العظيم .
ومن أعظم الملائكة حملة العرش، وهم ثمانية كما جاء القرآن الكريم قال تعالى: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيةُ } (الحاقة - 17)
وهم - حملة العرش - على قوتهم، وعِظَمِ خلقهم يسبحون الله جل جلاله خاضعين متذللين له سبحانه، وكذلك الملائكة أجمعين .
والملائكة عالمٌ غيبيّ لا يُشاهدون للبشر العاديين على هيئتهم، ولكن قد يرونهم في صورة بشر كما أخبر القرآن الكريم في قصة نبي الله لوط عليه السلام، وكما جاء في حديث جبريل المشهور، أما الأنبياء فيرونهم على صورتهم الحقيقة، وغيرها، وقد رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، قد سدَّ الأفق، كما جاء في البخاري من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه .
فالأصل أنهم عالمٌ غيبيّ، خلقهم الله تعالى من نور، فالإيمان بهم ركنٌ من أركان الإيمان، كذلك الإيمان بأسمائهم التي أعلمنا الله ورسوله بها، ووظائفهم واجبٌ، والإيمان أنهم أجسادٍ واجبٌ خلافًا لمن قال أنهم أرواح .
كان هذا هو الكلام مختصرًا على الركن الثاني من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالملائكة، نتبعه إن شاء الله تعالى بالكلام على بقية الأركان في المقالة القادمة بإذن الله .
هذا وما كان من تقصيرٍ أو نسيانٍ فمني ومن الشيطان، والله منه براء، وأساله سبحانه أن يجعل ما قلناه زادًا إلى حسن المصير إليه، وعتادًا إلى يمن القدوم عليه إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق