شرح العقيدة الواسطية- الإيمان بالبعث
نواصل في هذه المقالة الحديث عن أركان الإيمان، وكنا قد تحدثنا في السابق عن أربعة من هذه الأركان، وهي : الإيمان بالله تعالى، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والآن نتحدث عن الإيمان بالبعث، وذلك في قول المؤلف رحمه الله تعالى : ( ... والبعث بعد الموت ... )
والبعث : يعني الإخراج، وهو إخراج الناس من قبورهم بعد موتهم .
وهذا من معتقد أهل السنة والجماعة، وهو ثابتٌ بالكتاب والسنة، وإجماع المسلمين، بل وإجماع اليهود والنصارى حيث يُقرون بأن هناك يومًا يُبعث الناس فيه ويُجازون، حيث يقول الله تعالى عنهم { وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } (البقرة:80) فهم مُقرون بالبعث والحساب
والدليل من القرآن هو قوله تعالى { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوآ أَن لَن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ }
(التغابن:7) وقوله تعالى { ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } (المؤمنون:15-16)
وأما السنة فقد جاءت الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأجمع المسلمون على هذا إجماعًا قطعيًا، وأن الناس يبعثون يوم القيامة، ويلاقون ربهم سبحانه فيجازيهم بأعمالهم { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شّرًّا يَرَهُ}
والإيمان بالبعث هو من جملة الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المؤمنين المتقين، قال تعالى{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } (البقرة:3) والغيب عكس الشهادة ، فهو لا يُرى، ولا يُشاهد، ولذلك امتحن الله سبحانه عباده بهذا الإيمان ليعلم صدق إيمانهم وليتميز المؤمن عن الكافر، لأنه تصديق مجرد لله ورسله، فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله سبحانه به، وأخبرت به الأنبياء والرسل، سواءً شاهده أو لم يشاهده، وسواءً فهمه وعقله، أو لم يهتد إليه عقله وفهمه بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية الذين لم يفهموه فكذبوا به .
وعلى هذا فيجب على الإنسان العاقل المؤمن أن يعمل لهذا اليوم خاصة وهو يشاهد الناس وهم يموتون ويفارقون الحياة من أهله وأصدقائه وجيرانه وقد يدفن أحدهم بيده، فهو يرى أثرًا لهذا البعث فإنه لا بعث إلَّا بعد موت، وكذلك فإنه لا موت إلاَّ بعد حياةوقد ذكر الله سبحانه وتعالى دليلين عقليين لمن كان لديه شكٌ وريب من البعث بعد الموت، فقال تعالى: { يَاآيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى ثُمَّ نُخْرِجَكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوآ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يَتَوفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } (الحج:5)
ذكر الله تعالى دليلين عقليين كل واحدٍ منهما يدل دلالةٍ قطعيةٍ على ما يشك فيه أهل الشك والريب، فالدليل الأول هو ابتداء خلق الإنسان، وأن الذي ابتدأه سيعيده، وذكر سبحانه أطوار ذلك الخلق داخل الرحم بعدما لم يكن موجودًا .
والدليل الثاني هو إنبات الأرض المغبرة التي لا نبات فيها ولا زرع، فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء تحركت بالإنبات من كل أصناف النباتات والزروع والثمر، وذلك بعدما لم تكن موجودة .
فهذان دليلان قاطعان على وجود البعث .
وكذلك في النوم فإن النائم يكون فيه شبيهٌ بالميت، فالميت جسده خامدٍ لا حراك فيه لخروج روحه، والنائم كذلك غير أنه لم تنقطع الصلة بين روحه وجسده نهائيًا مثل الميت، ثم إذا استيقظ قام من نومه لرجوع نفسه، أو روحه إلى جسده، فكذلك الميت إذا ردت روحه إلى جسده مرة أخرى قام من قبره من بعد موته .
قال تعالى { اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلَ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) } (الزمر)
وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوينا إلى النوم أن نقول " باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه ، فإن أمسكت نفسي فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" . [ أخرجه البخاري ومسلم ]
وقال تعالى { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) } ( يس )
نزلت هذه الآية في أُبيّ بن خلف عندما أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حايل ففتَّه بين يديه، ثم ذراه في الريح، فقال : يا محمد من يحي هذا وهو رميم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله يحييه، ثم يميتك، ثم يدخلك النار " فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد .
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ" أَيْ وَنَسِيَ أَنَّا أَنْشَأْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ مَيِّتَةٍ فَرَكَّبْنَا فيه الحياة. أي جوابه مِنْ نَفْسِهِ حَاضِرٌ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:" نَعَمْ وَيَبْعَثُكَ اللَّهُ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ" فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ احْتَجَّ عَلَى مُنْكِرِي الْبَعْثِ بِالنَّشْأَةِ الْأُولَى." قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ" أَيْ بَالِيَةٌ .
(تفسير القرطبي )
وهذه الآية عامة في كل منكري البعث .
فبعد هذه الأدلة يجب على المؤمن أن يتذكر هذا اليوم، فيعمل له خوفًا من أن يقف بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، وليس معه من العمل الصالح شيئًا، فيعد له عدته، ولا يكون من الغافلين الذين يعملون للدنيا فقط أعمالاً، رغم أنهم لا يدرون أيدركونها أم لا، قال تعالى :
{ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } ( المؤمنون:63 ) أي أعمال الدنيا التي تلهيهم عن الموت والبعث والحساب والجزاء حتى بغتة .
فهذا البعث الذي اتفقت عليه الشرائع السماوية ، وكل متدينٍ بدينٍ كاليهود والنصارى، هو أحد أركان الإيمان، وهو من جملة اعتقاد أهل السُنة والجماعة، ولا ينكره إلاَّ كافر .
كان هذا الكلام على الإيمان بالبعث، وهو الركن الخامس من أركان الإيمان، وفي المقالة القادمة إن شاء الله تعالى نتحدث عن الركن الأخير من أركان الإيمان .
هذا وما كان من تقصيرٍ أو نسيانٍ فمني ومن الشيطان، والله منه براء، وأسأله سبحانه أن يجعل ما قلناه زادًا إلى حسن المصير إليه، وعتادًا إلى يمن القدوم عليه إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته






