أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 27 فبراير 2021

شرح العقيدة الواسطية - الإيمان بالكتب والرسل


 

شرح العقيدة الواسطية - الإيمان بالكتب والرسل

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

الإِيمَانُ بِالكُتُبِ


إنَّ الحمدَ للهِ تعالى نحمدهُ، ونستعينُ بهِ، ونستغفرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، وسيئاتِ أعمالِنا .
إنَّهُ من يهدي الله فلا مُضلَّ لهُ، ومن يُضللْ فلا هاديَ لهُ .
وأشهدُ أنَّ لا إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ .
أمَّا بعدُ :

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هديُ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار .

نستكمل في هذه المقالة إن شاء الله تعالى الحديث عن أركان الإيمان بالله عز وجل، التي هي من عقيدة أهل السنة والجماعة، كما ذكرنا ذلك في مقدمة العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقد تحدثنا في المقالتين السابقتين عن الركنان الأولان من أركان الإيمان، والآن نتكلم عن الركن الثالث، وهو الإيمان بالكتب .

                 ________________________________________

قوله : وكتبه ......
===============

قوله أي قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
وكتبه : هو عطف على قوله ( فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة ...... )
وقوله كتبه : أي كتب الله تعالى التي أنزلها على الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكل رسولٍ كتاب لقوله تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ } (الحديد: 25 )
وهذا يدل على أن كل رسولٍ معه كتابٌ من الله تعالى، ولكننا لا نعرف جميع الكتب، بل نعرف منها ما أخبرنا الله تعالى به في كتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنها صحف إبراهيم وموسى، ومنها التوراة، والإنجيل، والزبور، وأعظمها، والمهيمن عليها القرآن العظيم، فهي ستة أو خمسة على خلاف بين من يقول أن صحف موسى توراة أو لا، لكننا نؤمن بها إجمالًا، فنؤمن بكل كتاب أنزله الله تعالى سواء عرفناه أو لا .

ونؤمن بأن القرآن العظيم هو آخر الكتب المنزلة على آخر رسله صلى الله عليه وسلم، لذلك هو أعظمها، وهو المهيمن عليها أي : حوى كل ما فيها، وأنه محفوظ بحفظ الله تعالى له لقوله سبحانه : { إَنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ( الحجر: 9 )

قال السعدي رحمه الله : ( أي في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه الله في قلب رسوله صلى الله عليه وسلم، واستودعه فيها ثم في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل، فلا يحرف محرف معنى من معانيه إلاَّ وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين، ومن حفظه أن الله يحفظ أهله من أعدائهم، ولا يسلط عليهم عدوًا يجتاحهم ).

هذا على عكس غيره من الكتب السابقة كالتوراة، والإنجيل حيث ترك الله تعالى حفظها للبشر اختبارًا لهم في صدق إيمانهم، إلاَّ أنهم حرَّفوها، واشتروا بها ثمنًا قليلًا .
إذن نؤمن بالقرآن الكريم أنه كلام الله غير مخلوق، أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، ومتعبد بتلاوته،وأن الله تعالى أعجز به خلقه، فقد تحدى به الإنس والجن على الإتيان بمثله فقال : { قُلْ لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى~أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }( الإسراء:88 )

 قال السعدي رحمه الله :( وهذا دليلٌ قاطعٌ، وبرهانٌ ساطعٌ على صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه حيث تحدى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وأخبر أنهم لا يأتون بمثله ولو تعاونوا كلهم على ذلك لم يقدروا عليه ) وقال: ( ووقع كما أخبر الله، فإن دواعي أعدائه المكذبين به متوفرة على رد ما جاء به بأي وجهٍ كان، وهم أهل اللسان والفصاحة، فلو كان عندهم أدنى تأهلٍ وتمكنٍ من ذلك لفعلوه، فعُلِمَ بذلك أنهم أذعنوا له غاية الإذعان طوعًا وكرهًا، وعجزوا عن معارضته )

وهذا التحدي يدل على أن هذا القرآن مُعجِز، وأنه المعجزة الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه المستهدف من أعداء الإسلام بكافة أجناسهم، وطرائقهم في كل زمان ومكان بالطعن فيه ليسقطوه، وههيات أن يستطيعوا، فإن الله حافظ دينه وكتابه، وقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا، فتحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا، فتحداهم بأن يأتوا بسورةٍ من مثله فعجزوا، وكان ذلك سهلاً على العرب لو استطاعوا، فهم أهل اللغة والفصاحة، فلما عجزوا عن ذلك عُلِمَ أنه كلام الله المعجز إلى يوم القيامة .

***  ***  ***

الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ


قوله : ورسله ......
=================

رسله : أي رسل الله، وهم الذين أوحى الله إليهم بالشرائع، وأمرهم بتبليغها للناس، وأولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمدٌ صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى : { إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالْنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ } ( النساء:163)  يعني: أوحينا إليك وحينًا كإيحائنا إلى نوحٍ عليه السلام، والنبيين من بعده، وهو وحي الرسالة، وقوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَتِهِمَا النُّبُوةَ وَالْكِتَابَ } (الحديد:26)  في ذريتهما أي: ذرية نوحٍ وإبراهيم عليهما السلام والذي قبل نوح لا يكون من ذريته . وقوله تعالى : { وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَاسِقِينَ } (الذاريات:46)

فهذه ثلاثة أدلة من القرآن تدل على أن نوحًا عليه السلام أول الرسل، وأما السنة فثبت في حديث الشفاعة الذي أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن أهل الموقف يقولون لنوح : أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض .... " وهذا صريح .
خلافًا لمن قال أن آدم عليه السلام أول الرسل، فإنه نبيٌ، وليس برسولٍ
وكذلك لمن قال أن إدريس عليه السلام كان قبل نوحٍ عليه السلام، وأنه من أجداده، و أصحاب هذا القول هم أكثر المؤرخين، ولكنه قولٌ ضعيفٌ مردودٌ بالكتاب والسنة .
إذن فنوحٌ عليه السلام هو أول الرسل، وأما آخرهم فهو محمدٌ صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى :
{ وَلَكِن رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } (الأحزاب:40) فقال تعالى : وخاتم النبيين، وام يقل : وخاتم المرسلين، لأنه إذا ختم النبوة ختم الرسالة من باب أولى، لأن كل رسولٍ نبي،وليس كل نبيٍ رسول.
فإن قيل: عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان، وهو رسول فما الجواب ؟
والجواب : أنه لا ينزل بشريعة جديدة، وإنما يحكم بشريعة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ومعلومٌ أن عيسى عليه السلام كانت رسالته قبل رسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلم .
ولقد أرسل الله رسله برسالةٍ واحدةٍ هي دعوة الناس لإفراد الله  بالعبادة، ونبذ ما دونه من المعبودات الباطلة، كما قال تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حّقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ } ( النحل:36)
فأقام الله الحجة على جميع الأمم بإرسال الرسل إليهم لدعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له فانقسم الناس قسمين أحدهما آمن بهم، واتبع الهدى، وقسم كفروا وأعرضوا فحقت عليهم الضلالة.
وعلى هذا فالأنبياء والمرسلين دعوتهم واحدة، ودينهم واحد، هو الإسلام لقوله تعالى :{ قُلْ
ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } (آل عمران:84).

كان هذا هو حديثنا عن الركن الثالث والرابع وهما الإيمان بالكتب والرسل باختصار، وبقي لنا أن نتحدث عن الركنين الأخيرين، وهما الإيمان بالبعث، والإيمان بالقدر، وذلك في المقالة القادمة إن شاء الله تعالى، سائلين الله تعالى أن ما قلناه زادًا إلى حسن المصير إليه، وعتادًا إلى يمن القدوم عليه، إنه بكل جميلٍ كفيلٍ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المقالات

شرح العقيدة الواسطية- الإيمان بالبعث

  شرح العقيدة الواسطية- الإيمان بالبعث نواصل في هذه المقالة الحديث عن أركان الإيمان، وكنا قد تحدثنا في السابق عن أربعة من هذه الأركان، وهي :...