أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 16 يناير 2021

شرح مصطلح الحديث - الحديث المقبول


 

شرح مصطلح الحديث - الحديث المقبول

إن الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد  

تحدثنا في المقالة السابقة بفضل الله  عن أقسام الخبر من حيث طريقة نقله، وهما قسمين : متواتر، وآحاد، ثم تحدثنا عن أقسام الآحاد وهي: مشهور، وعزيز، وغريب، وقلنا أن خبر الآحاد منه المقبول، ومنه المردود 

وفي هذه المقالة إن شاء الله تعالى نتحدث عن الخبر المقبول، وعن أقسامه ، فنقول إن الخبر المقبول هو ما ترجح صدق المخبر به ، وحكمه وجوب الاحتجاج والعمل به ، وينقسم الخبر المقبول من حيث تفاوت مرتبته إلى أربعة أقسام وهي : صحيح لذاته ، وحسن لذاته، وصحيحٍ لغيره ، وحسن لغيره . 


***  ***  ***

أقسام الحديث المقبول

الحديث الصحيح 

الحديث الصحيح : هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذٍ ولا علة 

هذا تعريف الحديث الصحيح ، وهو يحتوي على خمسة شروط هي 

أ)- إتصال  السند: ومعناه أن كل راوٍ من رواته قد أخذه مباشرةٍ عمن فوقه من اول السند إلى منتهاه ، وأن يُعلَم أن المروي عنه لم يمت قبل أن يبلغ الراوي سن التمييز .

ب)- عدالة الرواة: كل راوي من رواته اتصف بكونه مسلمًا بالغًا عاقلاً غير فاسقٍ وغير مخروم المروءة .

ج)- ضبط الرواة: أن كل راوٍ من رواته كان تام الضبط والحفظ .

د)- عدم الشذوذ: أي لا يكون حديثًا شاذًا، والشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه .

ه)- عدم العلة: أي لا يكون حديثًا معلولاً، والعلة هي سببٌ غامضٌ خفيٌ يقدح في صحة الحديث مع أن الظاهر السلامة منه.

فهذه شروط خمسة لابد من توافرها حتى يكون الحديث صحيحًا، فإذا اختل شرط واحد منها فلا يسمى حينئذ صحيحًا .

ومن أمثلة الحديث الصحيح ما أخرجه البخاري في صحيحه قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعمٍ عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور . 

فهذا الحديث صحيحًا لتوافر الشروط الخمسة للحديث الصحيح وهي:

1)- سنده متصل: فكل راوٍ من رواته سمعه من شيخه، وأما عنعنة مالكٍ عن ابن شهابٍ عن محمد بن جبيرٍ فمحمولة على الاتصال لأنهم غير مدلسين.

2)3)- رواته عدولٌ ضابطون: وهذه أوصافهم عند علماء الجرح والتعديل

فعبد الله بن يوسف ثقةٌ متقن، ومالك بن أنسٍ إمامٌ حافظٌ، وابن شهابٍ الزهريِّ فقيهٌ حافظٌ متفقٌ على جلالته وإتقانه، ومحمد بن جبير تابعيٌّ ثقةٌ، وأبيه جبير بن مطعمٍ صحابيّ.

4)- غير شاذٍ: إذ لم يعارضه ما هو أقوى منه .

5)- ليس به علةٌ من العلل .

هذا والحديث الصحيح حكمه وجوب العمل به بإجماع أهل الحديث، ومن يُعتدُّ به من الأصوليين والفقهاء، فلا يسع المسلم ترك العمل به .

أول مصنف في الحديث الصحيح المجرد ( صحيح البخاري ) ثم ( صحيح مسلم ) وقد أجمعت الأمة على تلقي كتابيهما بالقبول، فهما أصحُّ كتابين صنفهما بشر، وجملة ما في ( صحيح البخاري ) أربعة آلاف بدون المكرر، وأما ( صحيح مسلم ) بدون المكرر أربعة آلاف أيضًا .

و( صحيح البخاري ) أصحُّ من حيث كثرة الفوائد، ولإنه أشدُّ اتصالاً وأوثق رجالاً، ولإنَّ فيه من الاستنباطات الفقهية، والنكت الحُكمية ما ليس في ( صحيح مسلم )، وهذا باعتبار المجموع وإلاَّ فقد يوجد في ( صحيح مسلم ) بعض الأحاديث أقوى من بعض الأحاديث في ( صحيح البخاري )

هذا ولم يستوعب البخاري ومسلم في صحيحيهما كل الصحيح، فقال البخاري: ما أدخلت في كتابي الجامع إلاَّ ما صحَّ، وتركت من الصحاح لحال الطول ( أي خشية أن يمل الناس لطوله ).

وقال مسلم: ليس كل شئ عندي صحيح وضعته ههنا، وإنما وضعت ما أجمعوا عليه ( أي ما وجد عنده فيها شروط الصحيح المجمع عليها ).

وعليه فإنهما لم يستوعبا كل الصحيح، فوجد بقية الأحاديث الصحيحة في الكتب المعتمدة المشهورة مثل ( صحيح ابن خزيمة ) و ( ابن حبان ) و ( مستدرك الحاكم )، والسنن الأربع 

( سنن الترمذي ) و ( ابن ماجه ) و ( أبو داود ) و ( النسائي )، و( مسند الإمام أحمد ) .

ولا يكفي وجود الحديث في هذه الكتب، بل لابد من التنصيص على صحته مثل ( مستدرك الحاكم )وهو متساهل في التصحيح، فلابد من تتبعه، والحكم على أحاديثه بما يليق بحالها،كما فعل الذهبي.

وللصحيح مراتب أعلها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما ولم يخرجاه، ثم ما كان على شرط البخاري ولم يخرجه، ثم ما كان على شرط مسلم ولم يخرجه، ثم ما صحَّ عند غيرهما مما لم يكن على شرطهما .


***  ***  ***

الحديث الحسن

للحديث الحسن تعريفات مختلفة من أحسنها تعريف ابن حجر: وخبر الآحاد بنقل عدلٍ تام الضبط متصل السند غير معللٍ، ولا شاذ هو الصحيح لذاته، فإن خفَّ الضبط فالحسن لذاته .

وعلى هذا فيكون تعريف الحديث الحسن: هو ما اتصل سنده بنقل العدل الذي خفَّ ضبطه عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذٍ ولا علةٍ .

وهو كالصحيح في الاحتجاج به، ولكنه أقل منه قوة، وقد احتجَّ به الفقهاء وعملوا به .

ومن أمثلة الحديث الحسن ما أخرجه الترمذي في سننه قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضُبَعيُّ عن أبي عمران الجَونيّث عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعريِّ قال: سمعت أبي بحضرة العدّو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ أبواب الجنَّة تحت ظلال السيوف...

( قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ) .. رواة هذا الحديث ثقات إلاَّ جعفر بن سليمان الضبعي فإنه حسن الحديث كما نقل ابن حجر في تهذيب التهذيب، فبهذا فقد الحديث شرط الضبط التام فنزل إلى مرتبة الحسن  

والحديث الحسن تتفاوت مراتبه كالحديث الصحيح، وهي مرتبتين كما جعلهاالذهبي، فأعلاها: بَهْزُ بن حكيم عن أبيه عن جده، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن  إسحاق عن التيمي، وغيرهم مما قيل أنه صحيح، وهو من أدنى مراتب الصحيح.

وأدناها مرتبة: ما اختلف في تحسينه وتضعيفه مثل حديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة، وحجاج بن أرطاة، ونحوهم.

فائدة حديثية: إذا قال المحدث:( حديث صحيح الإسناد ) ولم يقل:( حديث صحيح )، أو يقول:( حديث حسن الإسناد)ولم يقل:( حديث حسن )، فهذا يعني: أنه قد يصحُّ أو يحسن الإسناد دون المتن لوجود شذوذٍ أو علةٍ خفيةٍ، فإذا قال:(حديث صحيح) فيعني أن الحديث قد توافرت فيه الشروط الخمسة لصحة الحديث، وأما إذا قال:(حديث صحيح الإسناد) فقد توافرت فيه ثلاثة شروط فقط هي اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبط الرواة، أما الشرطين الأخيرين وهما عدم الشذوذ، وعدم العلة فلم يتوافرا لعدم التثبت منهما.

ولكن إذا كان القائل محدثٌ حافظٌ معتمدٌ ولم يذكر له علة فالظاهر صحة المتن، لأن الأصل عدم العلّة والشذوذ.

ومعنى قول الترمذي وغيره:(حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)هذه العبارة استشكلها البعض لأن الحسن أدنى مرتبة من الحديث فكيف يجمع بينهما؟ 

من أحسن الأجوبة على ذلك قول ابن حجر رحمه الله: إذا كان للحديث إسنادان فأكثر فالمعنى حسنٌ باعتبار إسناد، وصحيحٌ باعتبار الإسناد الآخر.

وإذا كان له إسناد واحد فيعني: حسنٌ عند قوم، صحيحُ عند قومٍ آخرين.. وذلك لعدم ترجح أحدهما على الآخر عنده.

هذا ولم يُفرد العلماء كتبًا خاصةً بالحديث الحسن، ولكن هناك كتبًا كثر فيها الحديث الحسن من أشهرها (سنن الترمذي) فهو أصلٌ في معرفة الحسن، وهو الذي شهره، وقد أكثر الترمذي من ذكره في كتابه.

وكذلك كتاب (سنن أبي داود)، وقد نص فيه على أنه يذكر فيه الصحيح وما يشابهه أو يقاربه، وأن ما كان فيه وهنٌ شديدٌ بيَّنه، وما لم يذكر فيه شئٌ فهو صالح.

و كتاب(سنن الدار قطني) وقد نصَّ فيه على كثير منه.

الخلاصة أن هذان قسمان من أقسام الحديث المقبول، ونستكمل في المقالة القادمة بإذن الله تعالى الكلام عن القسمين الأخرين من أقسام المقبول.

هذا وما كان من تقصيرٍ أو نسيانٍ فمني ومن الشيطان، والله منه براء، وأساله سبحانه أن يجعل ما قلناه زادًا إلى حسن المصير إليه، وعتادًا إلى يمن القدوم عليه إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

   


 




                          


  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المقالات

شرح العقيدة الواسطية- الإيمان بالبعث

  شرح العقيدة الواسطية- الإيمان بالبعث نواصل في هذه المقالة الحديث عن أركان الإيمان، وكنا قد تحدثنا في السابق عن أربعة من هذه الأركان، وهي :...