شرح مقدمة العقيدة الواسطية
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور
أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وأحسن الهدي هدي محمد - صلى الله عليه
وآله وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة،
وكل ضلالة في النار .
فقد تحدثنا في المقالات السابقة عن مقدمة مختصرة عن تعريف العقيدة وأهميتها
، وتكلمنا كذلك عن أقسام التوحيد وهو توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات
وذكرنا سبب تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لهذه العقيدة التي هي
عقيدة أهل السُنَّة والجماعة.
وفي هذه المقالة نبدأ بإذن الله تعالى بشرح هذه العقيدة ، ونبدأها بشرح
المقدمة، والله المستعان .
_____________________
المقدمة
يقول المؤلف رحمه الله : " بسم الله الرحمن
الرحيم .. الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدين كله،
وكفى بالله شهيدًا .. وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له إقرارًا به
وتوحيدًا ..... "
____________________________________________
قوله ( أشهد ) يعني : أُقرُّ بقلبي، ناطقًا
بلساني، لأن الشهادة نطقٌ وإخبارٌ عما في القلب، واختير لفظ الشهادة دون الإقرار،
لأن الشهادة أصلها من شهود الشئ أي : حضوره ورؤيته، فكأن المخبر عما في قلبه
الناطق بلسانه، كأنه يشاهد الأمر بعينيه .
قوله ( لا إله إلاَّ الله ) أي : لا معبود
بحقٍّ إلاَّ الله تعالى، وفي ذلك نفيٌ وإثبات، نفي الألوهية عما سوى الله تعالى،
وهي العبادة، وإثباتها لله وحده لا شريك له .
قوله ( وحده لا شريك له ) وحده : هو كما
ذكرنا توكيدٌ للإثبات، لا شريك له : هي توكيدٌ للنفي، وشهادة أن لا إله إلاَّ الله
ليست كلمةً تقال باللسان فحسب، بل لها مقتضى يجب العمل به ، فمن شهد ( أن لا إله
إلاّ الله ) أي : تكلم بها عارفًا لمعناها،عاملاً بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا، كما
قال تعالى : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ
}
محمد:19 ، وقوله تعالى : { إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } الزخرف:86
أما النطقُ بها من غير معرفةٍ بمعناها، ولا يقين، ولا عمل بمقتضاها من
البراءة من الشرك، وإخلاصُ القول والعمل، وهو قول القلب واللسان، وعمل القلب
والجوارح، فغير نافعٍ بالإجماع، كما قال القرطبي رحمه الله : (لا يكفي مجرد التلفظ
بالشهادتين بل لابد من استيقان القلب ) .
وفي هذا دليلٌ على فساد مذهب المرجئة القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كافٍ في الإيمان لأنه يلزم
منه تسويغ النفاق والحكم للنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطلٌ قطعًا
___________________
شروط ( لا إله إلاَّ الله )
فلابد في شهادة (أن لا إله إلاّ الله) من
سبعة شروطٍ لا تنفع قائلها إلاّ باجتماعها وهي :
الأول : العلمُ المنافي للجهلِ .
الثاني : اليقين المنافي للشك .
الثالث : القبول المنافي للردِّ .
الرابع : الانقياد المنافي للترك .
الخامس : الإخلاص المنافي للشرك .
السادس : الصدق المنافي للكذب .
السابع : المحبة المنافية لعدمها .
وفي هذا دليلٌ على أن أول واجبٍ على العبد هو التوحيد، الذي هو إخلاص
العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، ولهذا كان أول ما دعت إليه
الرسل { أَنِ اعْبُدُوا
اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } وقوله : { أَن لاَ تَعْبُدُوآ إِلاَّ الله }
قال ابن القيم رحمه الله تعالى : (ولهذا خاطب الرسل أممهم مخاطبة من لا شك
عنده في الله، وإنما دعوهم إلى عبادة الله وحده لا إلى الإقرار به، فقالت لهم : { أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }،
فوجوده سبحانه، وربوبيته، وقدرته أظهر من كل شئٍ على الإطلاق .
إذن فهذه الشهادة تنفي الإلهية عما سوى الله تعالى، وهي العبادة، وإثباتها
لله وحده لا شريك له .
والعبادة بجميع أنواعها إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع والتذلل
رغبًا ورهبًا، وهذا كله لا يستحقه إلا الله سبحانه وبحمده، فمن صرف من ذلك شيئًا
لغير الله فقد جعل لله ندًّا، فلا ينفعه مع ذلك قولٌ ولا عملٌ .
قوله ( إقرارًا به وتوحيدًا ) إقرار :
مصدر، وإن شئت فقل : مفعول مطلق، لأن مصدره معنوي لقوله أشهد .
وتوحيدًا : مصدر مؤكد لقوله لا إله إلاَّ الله .
______________
يقول المؤلف رحمه الله : " وأشهد أن محمدًا
عبده ورسوله .... "
________________________________________________
قوله ( محمدًا ) : هو محمد بن عبد الله بن
عبد المطلب القرشي الهاشمي الذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام،
فهو أشرف الناس نسبًا صلى الله عليه وسلم .
قوله ( عبده ورسوله ) معنى العبد هنا :
المملوك العابد أي أنه مملوكٌ لله تعالى، والعبودية الخاصة وصْفُه كما قال تعالى :
{ أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدُهُ }، فأعلى مراتب
العبد : العبودية الخاصة والرسالة، فالنبيِّ صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق في
هاتين الصفتين الشريفتين، فهو صلى الله عليه وسلم أعبد الناس لله تعالى، وأشدهم
تحقيقًا لعبادته، وهو أتقى الناس لربه، فهو عبدٌ لله، ومقتضى عبوديته أن لا يملك
لنفسه، ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا، وليس له حقٌّ في الربوبية إطلآقًا، بل هو عبدٌ
محتاجٌ لربه مفتقرًا له يسأله، ويدعوه، ويرجوه ويخافه، بل أمره الله تعالى بأن
يبلغ بلاغًا خاصًا فقال : { قُلْ لآ أَمْلِكُ لِنَفْسي
نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ وَلَو كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ
لاَسْتَكْثَرتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّو~ء } الأعراف:188
وأما الرسالة : فليست لأحدٍ بعده صلى الله عليه وسلم، لأنه خاتم النبيين
وقد بلغ منزلةً لم يبلغها أحدٌ من البشر أو الملائكة حيث عُرِجَ به إلى موضعٍ يسمع
فيه صريف أقلام القضاء الذي يقضي به الله تعالى في خلقه، وكلَّمه الله بلا واسطة،
وأرسله إلى الخلق كافة، وأيَّده بالآيات العظيمة وهو القرآن الكريم، وختم به
النبيين والرسل .
وبهاتين الصفتين وجمعهما دفعًا للإفراط والتفريط، فإن كثيرًا ممن يدَّعي
أنه من أمته أفرط بالغلو قولاً وفعلاً، وفرَّط بترك متابعته، واعتمد على الآراء
المخالفة لما جاء به، وتعسَّف في تأويل أخباره وأحكامه بصرفها عن مدلولها، والصدف
عن الانقياد لها مع اطراحها، فإن شهادة أن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله
تقتضي الإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه زجر،
وان يعظم أمره ونهيه ولا يقدم عليه قول أحدٍ كائنًا من كان، لأن غيره يجوز عليه
الخطأ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم قد عصمه الله تعالى، وأمرنا بطاعته والتأسي
به، وتوعدنا على ترك طاعته {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ
مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولَهُ أَمْرًا أَن يَّكُونَ لَهُمُ
الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} وقال:{ فَلْيَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَو يُصِيبَهُمْ عَذّابٌ أَلِيمٌ }
قال الإمام أحمد رحمه الله :( أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا
ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شئٌ من الزيغ فيهلك ) .
______________
يقول المؤلف رحمه الله: " صلى الله عليه وعلى
آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا "
______________________________________________
قوله ( صلى الله عليه ): أحسن ما قيل في
صلاة الله على نبيِّه قول أبو العالية رحمه الله:
( صلى الله على رسوله هي : ثناؤه عليه في الملأ
الأعلى ) .
وأما تفسيرها بالرحمة فضعيف، لأنها تكون لأي أحدٍ .
قوله ( وعلى آله وصحبه ) الآلُ هنا :
أتباعه على دينه، هذا إذا ذُكرَت وحدها أو مع الصحب، وأما إذا قُرنت بالأتباع فهم
المؤمنون من آل بيته صلى الله عليه وسلم، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية ( آله وصحبه
) ولم يذكر الأتباع ف ( آله ) هم أتباعه على دينه، و(صحبه ) هم كل من اجتمع به صلى
الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على ذلك .
وعطف الصحب هنا على الآل من باب عطف الخاص على العام، لأن الصحبة أخصُّ من
مطلق الإتباع .
قوله ( وسلم تسليمًا مزيدًا ) سلَّم : من
السلامة من الآفات، وفي الصلاة حصول الخيرات، فجمع المؤلف في هذه الصيغة بين سؤال
الله تعالى أن يُحقق لنبيِّه صلى الله عليه وسلم الخيرات، وأخصَّها الثناء عليه في
الملأ الأعلى، وأن يُزيل عنه الآفات ، وكذلك من اتبعه .
قوله ( مزيدًا ) بمعنى زائدًا، والمراد
تسليمًا زائدًا على الصلاة، فيكون دعاءً آخر بالسلام بعد الصلاة .
_______________
تعريف الفرقة الناجية
يقول المؤلف رحمه الله : " أما بعد .. فهذا
اعتقادُ الفرقةِ الناجيةِ المنصورةِ إلى قيامِ الساعةِ، أهل السُنَّةِ والجماعةِ
..... "
______________________________________________
قوله ( أما بعد ) أما : هذه نائبةٌ عن اسم
الشرط وفعله، والتقدير: مهما يكن من شئ. فقولهم أما بعد فتقديره : مهما يكن من شئٍ
بعد هذا فهذا .
قوله ( فهذا اعتقادُ ) فهذا : إشارة، أي:
فهذا الذي بين يدي القارئ كذا وكذا .
( اعتقاد ) لغةً: افتعال من العقد، وهو الربط والشد بقوة، واصطلاحًا: هو
الجزم بالشئ في القلب، يعني: جزمتُ به في قلبي، فإن طابق الواقع فصحيح، وإن خالف
الواقع ففاسد، فاعتقادنا أن الله عز وجل إلهٌ واحدٌ هذا صحيح، واعتقاد النصارى أن
الله ثالث ثلاثة فباطل، لأنه مخالفٌ للواقع، ووجه ارتباطه بالمعنى اللغوي ظاهرٌ
لأن هذا الذي حكم في قلبه على شئ ما كأنه عقده عليه، وربطه وشدَّ عليه بقوة
بحيث لا يتفلت منه .
قوله ( الفرقةِ الناجيةِ ) الفرقة: بمعنى
الطائفة قال تعالى: { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ
فِرْقَةٍ
مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ } [ التوبة:122] وهي مأخوذةٌ من الافتراق.
الناجية: إسم فاعل من نجا إذا سَلِمْ ، وهي ناجيةٌ في الدنيا من البدعِ
سالمةٌ منها
وناجية في الآخرة من النار.
ووجه ذلك أن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : " وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعينَ فِرْقةٍ، كلَّها في النار
إلاَّ واحدة ". قالوا: من هي يا رسول الله ؟ قال :
"من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي ".
فهذا الحديث يبين معنى الفرقة الناجية، فمن لزم سُنَّةَ النبيِّ صلى الله
عليه وسلم
وأصحابه، ولم يلتفت لغيرها من المناهج الفاسدة، فقد نجا من البدع في
الدنيا، ونجا في الآخرة من النار .
قوله ( المنصورة إلى قيام الساعة ): عبَّر
المؤلف بذلك موافقة للحديث المتواتر الذي أخرجه البخاريُّ ومسلمَ حيث قال النبيِّ
صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفةٌ من أمتي على
الحقِّ ظاهرينَ... "والظهور: أي الانتصار لقوله تعالى: { فَأَيَّدَنَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا عَلَى عَدُّوِهِمْ
فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } ( الصف:14)
والذي ينصرها هو الله تعالى، فهي منصورة إلى قيام الساعة .
(إلى قيام الساعة ) : إلى يوم القيامة، وقد
أخبر النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن الساعة تقوم على شِرارِ الخلقِ كما جاء في
الحديث الذي أخرجه مسلمٌ في صحيحه من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وأنه لا تقوم
حتى لا يقال ( الله الله ) كما في حديث أنس رضي الله عنه عند مسلمٌ أيضًا، فكيف
يُجمَع هذا مع قوله " إلى قيام الساعة " ؟
والجواب هو أن المراد إلى قُرب قيام الساعة لقوله صلى الله عليه وسلم:
" حتى يأتي أمرُ اللهِ ". [ رواه
البخاري ومسلم ]
قوله ( أهلُ السُنَّةِ والجماعة ) أضافهم
إلى السُنَّةِ، لأنهم مستمسكون بها .
وأما الجماعة: لأنهم مجتمعون عليها، فأهلُ السُنَّةِ والجماعةِ هم الذين
استمسكوا بسُنَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم، واجتمعوا عليها، ولهذا لم تفترق هذه
الأمة كما افترق أهل البدع، فنجد أهل البدع مفترقين كالجهمية، والمعتزلة،
والروافض، وغيرهم من أهل التعطيل، لكن هذه الفرقة مجتمعة على الحقِّ، وإن حصل
بينهم خلافٌ فهو لا يضرُّ، ولا يُضللُّ بعضهم بعضًا بذلك الخلاف، بل تتسعُ صدورهم
له وإلاّ فإنهم قد اختلفوا في أشياءٍ مما يتعلق بالعقيدة مثلُ هل رأى النبي صلى
الله عليه وسلم ربَّه عز وجل بعينيه أما لا ؟ ومثله هل عذاب القبر على البدن
والروح ، أو الروح فقط ؟ وهذه المسائل تُعدُّ فرعيَّة بالنسبة للأصول، وليست من
الأصول، وبالرغم من ذلك لم يُضللِّ بعضهم بعضًا، خلافًا لأهل البدع والأهواء .
ويخرج من أهل السُنَّة والجماعة من خالفهم في طريقتهم، فالأشاعرة
والماتريدية مثلاً لا يُعدُّون من أهل السُنَّة والجماعة في هذا الباب، لأنهم
مخالفون لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في إجراء صفات الله
سبحانه وتعالى على حقيقتها، ولهذا يخطئ من يقول: إن أهل السُنَّة والجماعة ثلاثة –
سلفيون، وأشاعرة، وماتريدية – فهذا خطأ فكيف يمكن أن يكونوا جماعة وهم مختلفون؟
فأهل السُنَّة كما سبق الذين تمسكوا بطريقة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم،
وكانوا جماعة لاجتماعهم عليها، فكيف يمكن الجمع بين الأضداد ؟ فماذا بعد الحقِّ
إلاَّ الضلال، وعلى هذا فمن وافق السُنَّة فهو من أهل السُنَّة، ومن خالف السُنَّة
فليس منها، وعلى هذا أيضًا نقول أن السلف هم أهل السُنَّة والجماعة معتقدًا، حتى
المتأخر إلى يوم القيامة إذا كان على طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فإنه
سلفيّ.
___________________
اعتقاد أهل السُنَّةِ والجماعة
الإيمان بالله
يقول المؤلف رحمه الله:" وهو الإيمانُ باللهِ،
وملائكتهِ، وكتبهِ، ورسلهِ، والبعثُ بعد الموتِ،والإيمانُ بالقَدَرِ خيرهِ وشرِّهِ
..... "
هذه العقيدة أصَّلها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، وذلك في حديث جبريل
المشهور الذي رواه مسلمٌ في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه: أن جبريل
سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، والإيمان، والإحسان،ومتى الساعة؟
وكان من جوابه صلى الله عليه وسلم أن قال في الإيمان: " أن تؤمن باللهِ، وملائكتهِ
وكتبهِ، ورسلهِ، واليومِ الآخرِ، والقَدَرِ خيرهِ،
وشرِّهِ "
قوله ( الإيمان بالله ) الإيمان لغةً: هو
الإقرارُ بالشئِ عن تصديقٍ به، تقول: آمنتُ بكذا، وأقررتُ بكذا، وصدَّقتُ فلانًا .
وعلى هذا فالإيمان يتضمن معنىً زائدًا على مجرد التصديق، وهو الإقرار،
والاعتراف المستلزم للقبول للأخبار، والإذعان للأحكام، فهذا هو الإيمان، أما مجرد
أن تؤمن بأن الله موجود، فهذا ليس بإيمانٍ على الحقيقة .
والإيمان يتضمن أربعة أمور وهي: الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى، والإيمان
بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته .
فمن آمن بواحدة من هذه الأمور الأربعة دون البقية فليس بمؤمن .
أما الإيمان بوجوده سبحانه وبحمده دليله الفطرة، والعقل، والحِسّ، والشرع .
فبالفطرة يُعرفُ وجود الله سبحانه، حيث أن الخلق جميعهم مفطورون على وجود
الله تعالى لقوله عز وجل: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن
بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذرِّيَتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسَهُمْ
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ
إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذّا غَافِلِينَ }
[ الأعراف:172] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: " كلُّ مولودٌ يولدُ على الفطرة، فأبواه يُهودانه، أو يُنصِّرانه،
أو يُمجِّسانه " [ رواه البخاري ومسلم ]
وحتى البهائم، والطيور يعرفون ويؤمنون بوجود الله تعالى لقوله صلى الله
عليه وسلم في قصة النملة مع سليمان عليه السلام حينما خرج يستسقي، فوجد نملة
مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها نحو السماء تقول: اللهم أنا خلق من خلقك، فلا
تمنع عنا سقياك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم . [ رواه أحمد في الزهد ]
ويستدل بالعقل على وجود الله تعالى أن الموجودات لم توجد بنفسها، ولم توجد
صدفة
فالعقل يأبى ذلك ويرفضه، فكل موجود لابد له من واجد، ولا يوجد شئ بالصدفة،
فالسيارات، والطائرات، وجميع الآلات التي يستعملها البشر اليوم هل وجدت صدفة أم
كان لها من صانع؟ كذلك السماوات والأرض والكواكب والنجوم والشمس والقمر والجبال
والمحيطات وسائر المخلوقات لم توجد صدفة .
ويقال أن طائفة ممن انحرفت فطرتهم جاؤوا إلى أبي حنيفة رحمه الله، فناظروه
في إثبات الخالق جل وعلا، فوعدهم أن يأتوا بعد يوم أو يومين، فلما جاؤوا قالوا له:
ماذا قلت؟ قال: أنا أفكر في سفينة مملوءة بالبضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء
حتى أرست في الميناء، وأنزلت حمولتها وذهبت، وليس لها قائد، ولا حمَّالون .
قالوا: أتفكر بهذا؟ قال: نعم . قالوا: إذًا ليس لك عقل، فهل يُعقل أن سفينة
تأتي بدون قائد، وتُنزل حمولتها بدون حمَّالون وتنصرف؟ هذا لا يُعقل ! قال: كيف لا
تعقلون هذا
وتعقلون أن هذه السماوات والأرض، والشمس والقمر، والنجوم والجبال، والشجر
والدوابِّ والناس كلها بدون صانع؟
فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهمن وعجزوا عن جوابه هذا .
وقيل لأعرابيِّ من البادية: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير،
والبعرة تدل على البعير، فسماءٍ ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ألا
تدل على السميع البصير؟
قال تعالى: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَئٍ أَمْ
هُمُ الْخَالِقُونَ } [ الطور:35 ]
وبالحسِّ عرفنا وجود الله تعالى أليس الإنسان يدعوا الله فيقول: يا رب، ويدعوا بالشئ، ثم يستجاب له،
ةيرى ذلك بعينيه؟ قال تعالى:{ أَمَّن يُجِيبُ
الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الْأَرْضِ
أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذكَّرُونَ } [ النمل:62]
والأعرابي الذي دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم
الجمعة قال: هلكت الأموال، وانقطعت السُبل، فادع الله يُغيثنا . قال أنس: والله ما
في السماء من سحابٍ ولا قزعة، وما بيننا وبين سلعٍ من بيتٍ ولا دار.... وبعد دعاء
النبي صلى الله عليه وسلم فورًا خرجت سحابة مثل الترس، وارتفعت في السماء، وانتشرت
ورعدت وبرقت ونزل المطر، فما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاَّ والمطر
يتحادر من لحيته صلى الله عليه وسلم . [ رواه البخاري ومسلم ]
فهذا مما يدل دلالة حسيّة على وجود الله تعالى .
وأما الشرع فمن تأمله وجد أته شرعٌ محكمٌ ما ترك صغيرةٍ، ولا كبيرةٍ إلاَّ
ووضع لها حُكمًا ثابتًا، وهذا لا يصدر من عقلٍ بشريٍ، لأنه منذ خُلِقَ الإنسان لم
يستطع إنسانٌ أن يأتي بمثل هذا الشرع المحكم، إذًا هو شرع إلهيّ لا يصدر إلاَّ
بوجود إلهٍ عظيمٍ ذو حكمة بالغة مطلقة، قال تعالى: { أَلاَ
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ الَّلطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الملك:14]
وهذا القرآن العظيم بين أيدينا يستحيل أن يؤلفه بشرٌ أو جنِّ، فهو كلام
الله تعالي أعجز به كل خلقه .
فهذه دلائل أربعة على وجود الله سبحانه وبحمده .
وأخيرًا كان هذا الكلام عن اعتقاد أهل السُنَّة والجماعة، وعن الفرقة
الناجية، وعن الإيمان بالله تعالى في مقدمة ابن تيمية رحمه الله في كتابه العقيدة
الواسطية، ونستكمل الحديث في المقالات القادمة بإذن الله عز وجل عن بقية أركان
الإيمان بالله تعالى .
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على نبيينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق