أرشيف المدونة الإلكترونية

الجمعة، 20 نوفمبر 2020

سلسلة شرح العقيدة الواسطية - توحيد الأسماء والصفات


سلسلة شرح العقيدة الواسطية - توحيد الأسماء والصفات


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وأحسن الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فهذه المقالة الثالثة من سلسلة شرح العقيدة الواسطية، والتي بدأناها بمقدمة مختصرة عن العقيدة، ثم أتبعناها الحديث عن أقسام التوحيد، فتحدثنا عن القسمين الأولين منه وهما توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وفي هذه المقالة نستكمل بإذن الله تعالى الحديث عن أقسام التوحيد بذكر القسم الأخير، وهو توحيد الأسماء والصفات .

____________________________________

توحيد الأسماء والصفات

هو التعبد لله عز وجل بأسمائه وصفاته، وقد كَثُرَ خوض الناس فيه فانقسموا إلى ثلاثة أقسام: ممثلٌ، ومعطلٌ، ومعتدلٌ. 

وأول من ابتدع في دين الله تعالى هم الخوارج حيث قالوا إن فاعل الكبيرة كافر وكان أولهم وأقبحهم حالة ذو الخويصرة التميمي حين خرج على النبي صلى الله عليه وسلم.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بعث عليٍّ رضي الله عنه من اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذهبةٍ في أديمٍ مقروظ، لم تخلص من ترابها، فقسَّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعةٍ ، بين زيد الخيل، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة بن علاثة، أو عامربن الطفيل، فوجد من ذلك بعض أصحابه والأنصار ، وغيرهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً" ثم أتاه رجلٌ غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبهة، كث اللحية، مشمر الإزار، محلوق الرأس فقال: اتق الله يا رسول الله . فرفع رأسه إليه فقال : "ويحك.. أليس أحق الناس أن يتق الله أنا ".   ثم أدبر فقال خالد : يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فلعله يكون يصلي " 

فقال: " إنه رُبَّ مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه ". وقال صلى الله عليه وسلم: " إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشقَّ بطونهم ". ثم نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُقفٍ فقال: " إنه سيخرج من ضئضئ هذا قومٌ يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة ".  ( متفقٌ عليه )

وذلك لأنهم يقرأون القرآن دون فهمٍ سليمٍ فضلّوا ، فكان أول من خرج عن الشريعة الإسلامية ، ثم عَظُمت فتنتهم في أواخر خلافة عثمان رضي الله عنه ، وفي الفتنة بين عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما ، فكفَّروا المسلمين واستحلوا دماءهم .

ثم ظهرت بدعة القدريّة مجوسي هذه الأمة حيث قالوا : إن أفعال العباد لا تدخل تحت مشيئة الله ، ويُقدِّرها . بل قال زعمائهم وغلاتهم أنها غير معلومة لله تعالى ، ولا مكتوبة في اللوح المحفوظ ، ولا يعلمها الله حتى تقع .

وهؤلاء أدركوا آخر عصر الصحابة مثل عبد الله بن عمر ، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم .

ثم ظهرت بدعة الإرجاء ، وأدركت زمن كثيرٍ من التابعين ، والمرجئة يقولون : إنه لا يضرُّ مع الإيمان معصية أو ذنب ، فالإنسان يزني ، ويسرق ، ويشرب الخمر ، ويقتل ما دام مؤمنًا فهو مؤمنٌ كامل الإيمان ، وإن فعل كل هذا .

ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كلام القدريّة ، والمرجئة حين ردّه بقايا الصحابة كان في الطاعة ، والمعصية ، والإيمان ، والفسق ، لم يتكلموا في ربِّهم وصفاته .

فجاء قومٌ من الأذكياء ! ممن يدّعون أن العقل مقدمٌ على الوحي فقالوا قولاً بين القولين (بين قول الخوارج، وقول المرجئة) فقالوا : الذي يفعل الكبيرة ليس مؤمنًا كقول المرجئة ، وليس بكافرٍ كقول الخوارج ، بل هو في منزلةٍ بين منزلتين كرجلٍ سافر من مدينةٍ لأخرى فصار في أثناء الطريق فلا هو في مدينته ، ولا في التي سافر إليها ، بل في منزلةٍ بين منزلتين ، هذا في أحكام الدنيا ، أما في الآخرة فهو مخلّدٌ في النار ، فهم يوافقون الخوارج في الآخرة ، لكن في الدنيا يخالفونهم .

ظهرت هذه البدعة وانتشرت ، ثم ظهرت بدعة الظلمة والجهمة ، وهي بدعة جهم بن صفوان وأتباعه ، ويسمون الجهمية نسبةً لزعيمهم .

حدثت هذه البدعة وهي لا تتعلق بالأحكام ، ومؤمن وكافر وفاسقٌ ، بل كانت تتعلق بذات الخالق جلَّ وعلا .. انظر كيف تدرجت البدع في صدر الإسلام حتى وصلوا إلى الخالق جلّ وعلا ، وجعلوا الخالق بمنزلة المخلوق يقولون كما شاءوا يقولون : هذا ثابتٌ لله ، وهذا غير ثابت ، وهذا يقبل العقل أن يتصف الله به ، وهذا لا يقبل ، فحدثت بدعة الجهمية ، والمعتزلة ، فانقسموا في أسماء الله تعالى وصفاته إلى فرقٍ متعددة :

فرقةٍ قالوا : لا يجوز أبدًا أن نصف الله بوجودٍ ولا عدمٍ ، لأنه إن وُصِفَ بالوجود فقد أشبه الموجودات ، وإن وُصِفَ بالعدم أشبه المعدومات ، وعليه يجب  نفي الوجود والعدم عنه ، وهذا الذي ذهبوا  إليه تشبيهٌ للخالق بالمستحيلات لأن تَقابل الوجود والعدم تقابل نقيضين لا يجتمعان ، وكل عقول بني آدم تنكر هذا الشئ ولا تقبله ، ففروا من شئٍ فوقعوا في أشرَّ منه

وفرقةٍ أخرى قالوا : نصفه بالنفي ، ولا نصفه بالإثبات يعني أنهم يجوزون أن تُسلب عن الله سبحانه الصفات، لكن لا تثبت، وبمعنى آخر أنهم لا يقولون هو حيٌّ، وإنما يقولون ليس بميت !! ولا يقولون عليمٌ، لكن يقولون ليس بجاهل .. وهكذا، ويزعمون لو أثبت له شيئًا شبهته بالموجودات، لأن كل الأشياء متشابهة، فأنت لا تثبت له شيئًا، وأما النفي فهو عدم.

مع أن الموجود في الكتاب والسُنَّة في صفات الله سبحانه وبحمده من الإثبات أكثر بكثيرٍ من النفي، مثل: أن الله قال عن نفسه { سَمِيعٌ بَصِيرٌ }

قالوا : هذا من باب الإضافات بمعنى : نسب إليه السمع لا أنه متصفٌ به لكن لأن له مخلوقًأ يسمع فهو من باب الإضافات.

وجاءت طائفة أخرى فقالوا: هذه الأوصاف لمخلوقاته وليست له، أما هو فلا يثبت له صفة 

وفرقةٍ أخرى قالوا : نثبت له الأسماء دون الصفات ، وهؤلاء هم المعتزلة أثبتوا أسماء الله تعالى قالوا : إن الله سميعٌ بصيرٌ قديرٌ عليمٌ حكيمٌ .......

لكن سميعٌ بلا سمع ، وبصيرٌ بلا بصر ، قديرٌ بلا قدرة ، عليمٌ بلا علم 

حكيمٌ بلا حكمة ..... !!!

وفرقةٍ قالوا : نثبت له الأسماء حقيقةً ، ونثبت له صفات معيّنة دلَّ عليها العقل ، وننكر الباقي ،  نثبت له سبع صفاتٍ فقط ، والباقي ننكره تحريفًا لا تكذيبًا ، لأنهم لو أنكروا تكذيبًا لكفروا ، لكن ينكرونه تحريفًا وهو ما يدّعون أنه تأويل .

وهذه الصفات السبع مجموعة في قولهم :

له الحياةُ والكلامُ والبصرْ ... سمعٌ إرادةٌ وعلمٌ واقتدارٌ

هذه الصفات في زعمهم هي ما دلّ عليه العقل ، أما بقية الصفات لم يدلّ عليها ، وهؤلاء هم الأشاعرة آمنوا ببعضٍ ، وأنكروا البعض .

فهذه أقسام التعطيل في الأسماء والصفات ، وكلها متفرعة من بدعة الجهمية ، لكن الله تعالى بحكمته ما من بدعةٍ خرجت إلاّ قيّض لها من عباده المؤمنين ، والعلماء الربانيين من يدحضها ويبيّنها تحقيقًا لقوله تعالى

{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } (الحجر:9)

ومن جملة الذين بيَّنوا البدع ، وقاموا قيامًا تامًا بدحضها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، فقد ألّف هذه العقيدة التي نحن بصدد شرحها ، وذلك أن أحد قضاة واسط شكا إليه ما كان الناس عليه من البدع ، وطلب منه أن يكتب لهم العقيدة الصحيحة فكتبها .

***

هذا وقد انتهينا من هذه المقدمة المختصرة في العقيدة ، وعن الكلام عن أقسام التوحيد بفضل الله تعالى ، والآن نبدأ في شرح متن العقيدة الواسطية لمؤلفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، وذلك في المقالة القادمة بإذن الله تعالى .


هذا وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين .


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

*** 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المقالات

شرح العقيدة الواسطية- الإيمان بالبعث

  شرح العقيدة الواسطية- الإيمان بالبعث نواصل في هذه المقالة الحديث عن أركان الإيمان، وكنا قد تحدثنا في السابق عن أربعة من هذه الأركان، وهي :...