أرشيف المدونة الإلكترونية

الجمعة، 16 أبريل 2021

شرح العقيدة الواسطية- الإيمان بالبعث


 

شرح العقيدة الواسطية- الإيمان بالبعث


نواصل في هذه المقالة الحديث عن أركان الإيمان، وكنا قد تحدثنا في السابق عن أربعة من هذه الأركان، وهي : الإيمان بالله تعالى، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والآن نتحدث عن الإيمان بالبعث، وذلك في قول المؤلف رحمه الله تعالى : ( ... والبعث بعد الموت ... )

والبعث : يعني الإخراج، وهو إخراج الناس من قبورهم بعد موتهم .

وهذا من معتقد أهل السنة والجماعة، وهو ثابتٌ بالكتاب والسنة، وإجماع المسلمين، بل وإجماع اليهود والنصارى حيث يُقرون بأن هناك يومًا يُبعث الناس فيه ويُجازون، حيث يقول الله تعالى عنهم { وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } (البقرة:80) فهم مُقرون بالبعث والحساب

  والدليل من القرآن هو قوله تعالى { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوآ أَن لَن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ } 

(التغابن:7) وقوله تعالى { ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } (المؤمنون:15-16) 

وأما السنة فقد جاءت الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأجمع المسلمون على هذا إجماعًا قطعيًا، وأن الناس يبعثون يوم القيامة، ويلاقون ربهم سبحانه فيجازيهم بأعمالهم { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شّرًّا يَرَهُ}

والإيمان بالبعث هو من جملة الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المؤمنين المتقين، قال تعالى{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } (البقرة:3) والغيب عكس الشهادة ، فهو لا يُرى، ولا يُشاهد، ولذلك امتحن الله سبحانه عباده بهذا الإيمان ليعلم صدق  إيمانهم وليتميز المؤمن عن الكافر، لأنه تصديق مجرد لله ورسله، فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله سبحانه به، وأخبرت به الأنبياء والرسل، سواءً شاهده أو لم يشاهده، وسواءً فهمه وعقله، أو لم يهتد إليه عقله وفهمه بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية الذين لم يفهموه فكذبوا به .

وعلى هذا فيجب على الإنسان العاقل المؤمن أن يعمل لهذا اليوم خاصة وهو يشاهد الناس وهم يموتون ويفارقون الحياة من أهله وأصدقائه وجيرانه وقد يدفن أحدهم بيده، فهو يرى أثرًا لهذا البعث فإنه لا بعث إلَّا بعد موت، وكذلك فإنه لا موت إلاَّ بعد حياةوقد ذكر الله سبحانه وتعالى دليلين عقليين لمن كان لديه شكٌ وريب من البعث بعد الموت، فقال تعالى: { يَاآيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى ثُمَّ نُخْرِجَكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوآ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يَتَوفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } (الحج:5)

ذكر الله تعالى دليلين عقليين كل واحدٍ منهما يدل دلالةٍ قطعيةٍ على ما يشك فيه أهل الشك والريب، فالدليل الأول هو ابتداء خلق الإنسان، وأن الذي ابتدأه سيعيده، وذكر سبحانه أطوار ذلك الخلق داخل الرحم بعدما لم  يكن موجودًا .

والدليل الثاني هو إنبات الأرض المغبرة التي لا نبات فيها ولا زرع، فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء تحركت بالإنبات من كل أصناف النباتات والزروع والثمر، وذلك بعدما لم تكن موجودة .

فهذان دليلان قاطعان على وجود البعث .

وكذلك في النوم فإن النائم يكون فيه شبيهٌ بالميت، فالميت جسده خامدٍ لا حراك فيه لخروج روحه، والنائم كذلك غير أنه لم تنقطع الصلة بين روحه وجسده نهائيًا مثل الميت، ثم إذا استيقظ قام من نومه لرجوع نفسه، أو روحه إلى جسده، فكذلك الميت إذا ردت روحه إلى جسده مرة أخرى قام من قبره من بعد موته .

قال تعالى { اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلَ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) }   (الزمر)

وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوينا إلى النوم أن نقول " باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه ، فإن أمسكت نفسي فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" . [ أخرجه البخاري ومسلم ]

وقال تعالى { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) }    ( يس )

نزلت هذه الآية في أُبيّ بن خلف عندما أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حايل ففتَّه بين يديه، ثم ذراه في الريح، فقال : يا محمد من يحي هذا وهو رميم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله يحييه، ثم يميتك، ثم يدخلك النار " فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد .

 فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ" أَيْ وَنَسِيَ أَنَّا أَنْشَأْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ مَيِّتَةٍ فَرَكَّبْنَا فيه الحياة. أي جوابه مِنْ نَفْسِهِ حَاضِرٌ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:" نَعَمْ وَيَبْعَثُكَ اللَّهُ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ" فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ احْتَجَّ عَلَى مُنْكِرِي الْبَعْثِ بِالنَّشْأَةِ الْأُولَى." قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ" أَيْ بَالِيَةٌ .

(تفسير القرطبي )

وهذه الآية عامة في كل منكري البعث .

فبعد هذه الأدلة يجب على المؤمن أن يتذكر هذا اليوم، فيعمل له خوفًا من أن يقف بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، وليس معه من العمل الصالح شيئًا، فيعد له عدته، ولا يكون من الغافلين الذين يعملون للدنيا فقط أعمالاً، رغم أنهم لا يدرون أيدركونها أم لا، قال تعالى :

{ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ }  ( المؤمنون:63 )  أي  أعمال الدنيا التي تلهيهم عن الموت والبعث والحساب والجزاء حتى بغتة .

فهذا البعث الذي اتفقت عليه الشرائع السماوية ، وكل متدينٍ بدينٍ كاليهود والنصارى، هو أحد أركان الإيمان، وهو من جملة اعتقاد أهل السُنة والجماعة، ولا ينكره إلاَّ كافر .

كان هذا الكلام على الإيمان بالبعث، وهو الركن الخامس من أركان الإيمان، وفي المقالة القادمة إن شاء الله تعالى نتحدث عن الركن الأخير من أركان الإيمان .

هذا وما كان من تقصيرٍ أو نسيانٍ فمني ومن الشيطان، والله منه براء، وأسأله سبحانه أن يجعل ما قلناه زادًا إلى حسن المصير إليه، وعتادًا إلى يمن القدوم عليه إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


     

السبت، 27 فبراير 2021

شرح العقيدة الواسطية - الإيمان بالكتب والرسل


 

شرح العقيدة الواسطية - الإيمان بالكتب والرسل

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

الإِيمَانُ بِالكُتُبِ


إنَّ الحمدَ للهِ تعالى نحمدهُ، ونستعينُ بهِ، ونستغفرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، وسيئاتِ أعمالِنا .
إنَّهُ من يهدي الله فلا مُضلَّ لهُ، ومن يُضللْ فلا هاديَ لهُ .
وأشهدُ أنَّ لا إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ .
أمَّا بعدُ :

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هديُ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار .

نستكمل في هذه المقالة إن شاء الله تعالى الحديث عن أركان الإيمان بالله عز وجل، التي هي من عقيدة أهل السنة والجماعة، كما ذكرنا ذلك في مقدمة العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقد تحدثنا في المقالتين السابقتين عن الركنان الأولان من أركان الإيمان، والآن نتكلم عن الركن الثالث، وهو الإيمان بالكتب .

                 ________________________________________

قوله : وكتبه ......
===============

قوله أي قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
وكتبه : هو عطف على قوله ( فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة ...... )
وقوله كتبه : أي كتب الله تعالى التي أنزلها على الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكل رسولٍ كتاب لقوله تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ } (الحديد: 25 )
وهذا يدل على أن كل رسولٍ معه كتابٌ من الله تعالى، ولكننا لا نعرف جميع الكتب، بل نعرف منها ما أخبرنا الله تعالى به في كتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنها صحف إبراهيم وموسى، ومنها التوراة، والإنجيل، والزبور، وأعظمها، والمهيمن عليها القرآن العظيم، فهي ستة أو خمسة على خلاف بين من يقول أن صحف موسى توراة أو لا، لكننا نؤمن بها إجمالًا، فنؤمن بكل كتاب أنزله الله تعالى سواء عرفناه أو لا .

ونؤمن بأن القرآن العظيم هو آخر الكتب المنزلة على آخر رسله صلى الله عليه وسلم، لذلك هو أعظمها، وهو المهيمن عليها أي : حوى كل ما فيها، وأنه محفوظ بحفظ الله تعالى له لقوله سبحانه : { إَنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ( الحجر: 9 )

قال السعدي رحمه الله : ( أي في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه الله في قلب رسوله صلى الله عليه وسلم، واستودعه فيها ثم في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل، فلا يحرف محرف معنى من معانيه إلاَّ وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين، ومن حفظه أن الله يحفظ أهله من أعدائهم، ولا يسلط عليهم عدوًا يجتاحهم ).

هذا على عكس غيره من الكتب السابقة كالتوراة، والإنجيل حيث ترك الله تعالى حفظها للبشر اختبارًا لهم في صدق إيمانهم، إلاَّ أنهم حرَّفوها، واشتروا بها ثمنًا قليلًا .
إذن نؤمن بالقرآن الكريم أنه كلام الله غير مخلوق، أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، ومتعبد بتلاوته،وأن الله تعالى أعجز به خلقه، فقد تحدى به الإنس والجن على الإتيان بمثله فقال : { قُلْ لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى~أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }( الإسراء:88 )

 قال السعدي رحمه الله :( وهذا دليلٌ قاطعٌ، وبرهانٌ ساطعٌ على صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه حيث تحدى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وأخبر أنهم لا يأتون بمثله ولو تعاونوا كلهم على ذلك لم يقدروا عليه ) وقال: ( ووقع كما أخبر الله، فإن دواعي أعدائه المكذبين به متوفرة على رد ما جاء به بأي وجهٍ كان، وهم أهل اللسان والفصاحة، فلو كان عندهم أدنى تأهلٍ وتمكنٍ من ذلك لفعلوه، فعُلِمَ بذلك أنهم أذعنوا له غاية الإذعان طوعًا وكرهًا، وعجزوا عن معارضته )

وهذا التحدي يدل على أن هذا القرآن مُعجِز، وأنه المعجزة الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه المستهدف من أعداء الإسلام بكافة أجناسهم، وطرائقهم في كل زمان ومكان بالطعن فيه ليسقطوه، وههيات أن يستطيعوا، فإن الله حافظ دينه وكتابه، وقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا، فتحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا، فتحداهم بأن يأتوا بسورةٍ من مثله فعجزوا، وكان ذلك سهلاً على العرب لو استطاعوا، فهم أهل اللغة والفصاحة، فلما عجزوا عن ذلك عُلِمَ أنه كلام الله المعجز إلى يوم القيامة .

***  ***  ***

الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ


قوله : ورسله ......
=================

رسله : أي رسل الله، وهم الذين أوحى الله إليهم بالشرائع، وأمرهم بتبليغها للناس، وأولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمدٌ صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى : { إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالْنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ } ( النساء:163)  يعني: أوحينا إليك وحينًا كإيحائنا إلى نوحٍ عليه السلام، والنبيين من بعده، وهو وحي الرسالة، وقوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَتِهِمَا النُّبُوةَ وَالْكِتَابَ } (الحديد:26)  في ذريتهما أي: ذرية نوحٍ وإبراهيم عليهما السلام والذي قبل نوح لا يكون من ذريته . وقوله تعالى : { وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَاسِقِينَ } (الذاريات:46)

فهذه ثلاثة أدلة من القرآن تدل على أن نوحًا عليه السلام أول الرسل، وأما السنة فثبت في حديث الشفاعة الذي أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن أهل الموقف يقولون لنوح : أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض .... " وهذا صريح .
خلافًا لمن قال أن آدم عليه السلام أول الرسل، فإنه نبيٌ، وليس برسولٍ
وكذلك لمن قال أن إدريس عليه السلام كان قبل نوحٍ عليه السلام، وأنه من أجداده، و أصحاب هذا القول هم أكثر المؤرخين، ولكنه قولٌ ضعيفٌ مردودٌ بالكتاب والسنة .
إذن فنوحٌ عليه السلام هو أول الرسل، وأما آخرهم فهو محمدٌ صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى :
{ وَلَكِن رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } (الأحزاب:40) فقال تعالى : وخاتم النبيين، وام يقل : وخاتم المرسلين، لأنه إذا ختم النبوة ختم الرسالة من باب أولى، لأن كل رسولٍ نبي،وليس كل نبيٍ رسول.
فإن قيل: عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان، وهو رسول فما الجواب ؟
والجواب : أنه لا ينزل بشريعة جديدة، وإنما يحكم بشريعة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ومعلومٌ أن عيسى عليه السلام كانت رسالته قبل رسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلم .
ولقد أرسل الله رسله برسالةٍ واحدةٍ هي دعوة الناس لإفراد الله  بالعبادة، ونبذ ما دونه من المعبودات الباطلة، كما قال تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حّقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ } ( النحل:36)
فأقام الله الحجة على جميع الأمم بإرسال الرسل إليهم لدعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له فانقسم الناس قسمين أحدهما آمن بهم، واتبع الهدى، وقسم كفروا وأعرضوا فحقت عليهم الضلالة.
وعلى هذا فالأنبياء والمرسلين دعوتهم واحدة، ودينهم واحد، هو الإسلام لقوله تعالى :{ قُلْ
ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } (آل عمران:84).

كان هذا هو حديثنا عن الركن الثالث والرابع وهما الإيمان بالكتب والرسل باختصار، وبقي لنا أن نتحدث عن الركنين الأخيرين، وهما الإيمان بالبعث، والإيمان بالقدر، وذلك في المقالة القادمة إن شاء الله تعالى، سائلين الله تعالى أن ما قلناه زادًا إلى حسن المصير إليه، وعتادًا إلى يمن القدوم عليه، إنه بكل جميلٍ كفيلٍ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
    

الأربعاء، 17 فبراير 2021

شرح مصطلح الحديث-أقسام الخبر المقبول-2


 شرح مصطلح الحديث-أقسام الخبر المقبول-2


إن الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:

فقد تحدثنا في المقالة السابقة عن قسمين من أقسام الخبر المقبول، وهما : 

الحديث الصحيح، والحديث الحسن، وذكرنا تعريفهما، وشروطهما، وحكمهما، وأشهر المصنفات فيهما، وذكرنا أمثلة على كل منهما .

وفي هذه المقالة نستأنف بإذن الله تعالى الحديث عن القسمين الأخرين من أقسام الخبر المقبول .

_____________

الصحيح لغيره


يُعرَّف الصحيح لغيره بأنه هو الحسن إذا رُويَ من طريق آخر مثله، أو أقوى منه، وسُميَ صحيحًا لغيره لأن الصحة لم تأتي من ذات السند، وإنما جاءت من انضمام غيره له .

وهو أعلى مرتبة من الحديث الحسن، وأقل مرتبة من الحديث الصحيح، فمرتبته إذن بين الصحيح لذاته وبين الحسن لذاته .

ومن أمثلته : ما رواه الترمذي في سننه من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " .

قال ابن الصلاح : محمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق، والصيانة، لكنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته، فحديثه من هذه الجهة حديث حسن، فلم انضم إلى ذلك كونه رُويَ من طرق أخر زال بذلك ما كنا نخشاه من جهة سوء حفظه، وانجبر به ذلك النقص اليسير، فصحَّ هذا الإسناد والتحق بدرجة الصحيح .

وهذا الحديث أخرجه الشيخان من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وبهذا يكون هذا الحديث صحيحٌ لغيره .

___________________________

الحسن لغيره

يُعرَّف الحديث الحسن لغيره: بأنه هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسقُ الرواي أو كذبه .

ومرتبته أدنى من الحسن لذاته، فإذا تعارض حديثان أحدهما حسنٌ لغيره، والأخر حسنٌ لذاته، قُدِّمَ الحسنُ لذاته، وهو من المقبول الذي يُحتجُ به .

ومن أمثلته ما رواه الترمذي، وحسَّنه من طرق شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه أن امرأةً من بني فزارةَ تزوجت على نعلين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرضيت من نفسك ومالك بنعلين ؟ "

قالت : نعم . فأجاز .

قال الترمذي : وفي الباب عن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وأبي حدرد .

فعاصمٌ ضعيفٌ لسوء حفظه، وقد حسَّن له الترمذي هذا الحديث لمجيئه من غير وجه، فهو حسنٌ لغيره .

____________________________________________

خبر الآحاد المتحف بالقرائن

هو الذي أحاط واقترن به من الأمور الزائدة على ما يتطلبه المقبول من الشروط، فيمتاز على غيره من الأخبار الأخرى وترجحه عليها .

أنواعه: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر، وقد اتحف به قرائنٌ منها: جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهو أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق .

والمشهور إذا كانت له طرقٌ متباينة سالمة كلها من ضعف الرواة والعلل .

والخبر المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين حيث لا يكون غريبًا، كالحديث الذي يرويه أحمد عن الشافعي، ويرويه الشافعي عن مالك، ويشارك أحمد غيره في الرواية عن الشافعي، ويشارك الشافعي غيره في الرواية عن مالك .

وهو أرجح من أي خبر مقبول من أخبار الآحاد، فلو تعارض مع غيره من الأخبار المقبولة قُدِمَ هذا الخبر .

_____________

وكذلك ينقسم الخبر المقبول إلى قسمين أخرين هما : معمولٍ به، وغير معمولٍ به

وينبثق عنهما نوعان من أنواع علوم الحديث وهما :

المحكم، ومختلف الحديث .               الناسخ والمنسوخ .

 وهذان النوعان سنتحدث عنهما في المقالة القادمة بإذن الله تعالى .

هذا وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته






الثلاثاء، 26 يناير 2021

سلسلة علماء الأمة الإسلامية - الإمام البخاري


 سلسلة علماء الأمة الإسلامية
 الإمام البخاري

لدينا عشرات الألوف من العلماء الذين أبهروا العالم بعلمهم وإخلاصهم وزهدهم ونبل أخلاقهم وسطروا لنا وسجلوا ملايين الكتب الموثقة والتراجم  بأسانيدها ومتونها بمنتهى الدقة حتى أن المستشرق القس البريطانى ديفيد مارغليوث قال : ليفخر المسلمون ماشاءوا بعلم حديثهم ..

(( اقرأوا عن الإمام البخاري رحمه الله )) لكي نعرف قيمة من يفترون عليه

-ولد يوم الجمعة من شوال سنة 194،

-بدأ حفظ الحديث وهو فى الكتاب وعمره 10 سنوات،

-صحح لشيخه “الداخلي” خطأ في إسناد حديث وعمره 11 سنة،

-حفظ كتب ابن المبارك ووكيع وعمره 16 سنة،

-صنف كتاب”قضايا الصحابة والتابعين” ابن 18 سنة،

-دخل جميع حواضر العلم…البصرة 4 مرات والكوفة قال: لا احصي كم واقام بالحجاز 6 سنوات ودخل بغداد عاصمة الدنيا وقتها 8 مرات وطلب منه شيخه الإمام أحمد ألا يغادرها،

-كان يذهب مع المحدثين إلى المشايخ بالبصرة وهو غلام فلا يكتب فاكثروا عليه اللوم فقال لهم بعد 16 يوما: اعرضوا ما كتبتم فزاد على 15000حديث…فجعلوا يصححون ما كتبوا من حفظه،

-دخل على أحد شيوخه وهو صبي فقال الشيخ هذا الصبي يحفظ 70000 حديث،

-دخل على شيخه الحميدي وقد اختلف مع آخر في حديث فقال جاء من يحكم بيننا،

-كان دخله 500 درهم في الشهر فكان ينفقها كلها في طلب الحديث،

-كتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن 1080 شيخا ما منهم إلا صاحب حديث،

-عمل وكيع كتابا في “الهبة” فيه حديثان أو 3 وعمل ابن المبارك كتابا في “الهبة” فيه 5 أحاديث وعمل البخاري كتابا في”الهبة” فيه 500 حديث،

-قال ذكرت أصحاب أنس فحضرني في ساعة 300 نفس

-قال: لو قيل لي لما قمت حتى اروي 10000 آلاف حديث في الصلاة خاصة،

-قالوا له: إسحاق بن راهويه يقول: كأني أنظر إلى 70000 ألف حديث من كتابي فقال: لعل في هذا الوقت من ينظر إلى 200000 حديثا.. وإنما عنى نفسه،

-قدم نيسابور فاستقبله 4000 على الخيل سوى من ركب بغلا أو حمارا سوى الرجالة،

-كان يستيقظ في الليلة الواحدة 20 مرة في كل مرة يوقد السراج ويسجل فائدة في الحديث وفقهه ثم يطفئ السراج وينام ثم يقوم،

مرة أخرى ويفعل ذلك وهكذا

-سهر ليلة ليعد كم أدخل في كتبه من الحديث فإذا هي 200000 حديث،

-كان يعقد مجلس إملاء الحديث من حفظه فيحضر 20000 من الناس

-قال 30 عالما من مصر معاصرون له:حاجتنا من الدنيا أن نرى البخاري،

-كتب إليه علماء بغداد والله أعلم بعددهم: المسلمون بخير ما بقيت لهم و ليس بعدك خير حين تفتقد،

-أخذ شيخه الإمام إسحاق بن راهويه كتابه التاريخ الكبير إلى الأمير بن طاهر وقال ألا أريك سحرا فلما تصفحه الأمير قال لا أفهم تصنيفه و عدد تراجم هذا الكتاب 13505 ،

-كان يختم القرآن كل أسبوع وفي رمضان كل يوم ختمة…

-اختبره علماء بغداد الاختبار الشهير في 100 حديث بأسانيدها ووزعوها على 10 حفاظ لكل واحد 10 أحاديث فقلبوها وجعلوا يلقونها عليه واحدا تلو الآخر المتن مع إسناد غير إسناده والإسناد مع متن غير متنه..وهو يقول: لاأعرفه فلما انتهوا أخذ يصحح لهم واحدا بعد واحد؛ويذكر الخطأ الذي افتعلوه ثم يذكر الصواب رادا كل متن إلى إسناده..قال الحافظ ابن حجر:ليس العجب من معرفته للصواب، ولكن العجب أنه حفظ الخطأ على ترتيبهم ثم صححه بالترتيب..

-اجتمع عليه 400 من حفاظ سمرقند وأرادو أن يغالطوه فأدخلوا حديث الشام في حديث العراق وحديث العراق في إسناد الشام…فما استطاعوا أن يتعلقوا عليه بسقطة..

-قال: أحفظ 600000 حديث ومنها اختار كتابه الأشهر “الصحيح” وقال: ما كتبت في كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. وقال صنفته في المسجد الحرام وما أدخلت فيه حديثا حتى استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته أي أنه صلى على أقل تقدير من أجل هذا الكتاب أكثر من 6000 ركعة ولتعرف صلاة البخاري اقرأ الفقرة الموالية…

🔸-من خشوعه واستغراقه في الصلاة أنه صلى مرة فلسعه الزنبور فلما قضى صلاته قال:انظروا أي شيء هذا الذي آذاني؟فنظروا فإذا الزنبور قد ورمه في 17 موضعا ولم يقطع صلاته وفي رواية قال:”كنت في آية فأحببت أن أتمها”.

-كان راميا ماهرا بالسهام لا يكاد يخطيء؛فبينما هو يرمي يوما مع رفقته إذ أصاب سهمه وتد قنطرة على النهر فانشق الوتد. فقال لأصحابه: ارجعوا. ثم قال لصاحبه -الذي يروي القصة-: يا أبا جعفر لي إليك حاجة وهو يتنفس الصعداء فقلت:نعم قال: تذهب إلى صاحب القنطرة وتقول: إنا أخللنا بالوتد فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله،أو تأخذ ثمنه،أو تجعلنا في حل. وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر،فقال لي: أبلغ أبا عبد الله السلام، وقل له أنت في حل مما كان منك،فإن جميع ملكي لك الفداء،فأبلغته الرسالة، فتهلل وجهه،وأظهر سرورا كثيرا وقرأ ذلك اليوم للغرباء 500 حديث وتصدق ب: 300 درهم.

-سئل عن حديث فقال: يا أبا فلان..تراني أدلس؟وقد تركت 10000 حديث لرجل فيه نظر!! وتركت مثلها أو أكثر منها لغيره،لي فيه نظر…

-انبهر به شيوخه وقدروه واستفادوا منه ومنهم من كان يطلب منه تصحيح كتبه ..

منهم الأئمة الكبار:

 أحمد بن حنبل.

اسحاق بن راهويه.

علي بن المديني.

قتيبة

الحميدي

ابن معين

البيكندي

عبدالله بن يوسف

بندار

ابن أبي أويس

ابن العلاء

نعيم بن حماد

سعيد بن أبي مريم

 ابن منير

رحمه الله وجزاه الله خيرا على ما بذل في حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وشفى الله شيخنا الحوينى الذى حدثنا كثيرا عن البخارى رحمه الله  وقال عنه إنه إمام الدنيا

منقوول بتصرف

الأربعاء، 20 يناير 2021

شرح العقيدة الواسطية - الإيمان بالملائكة


 شرح العقيدة الواسطية - الإيمان بالملائكة

إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وأحسن الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة،
وكل ضلالة في النار.

فقد ذكرنا في المقالة السابقة كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن اعتقاد الفرقة الناجية
وهي أهل السنة والجماعة، فقال في هذا الاعتقاد :
... وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره ...

ثم تكلمنا عن أول أركان الإيمان وهو الإيمان بالله عز وجل، وأن الإيمان بالله تعالى يتضمن أربعة أمور هي: 
1- الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى .
2- الإيمان بربوبيته .
3- الإيمان بانفراده بالألوهية .
4- الإيمان بأسمائه وصفاته .

وختمنا الكلام بسرد دلالات  وجوده سبحانه وبحمده .

والآن في هذه المقالة نستكمل الحديث عن أركان الإيمان، فنتحدث عن الركن الثاني، وهو الإيمان بالملائكة .

- الملائكة جمع ملأك، وأصل ملأك: مألك لأنه من الألوكة أي الرسالة، قال تعالى: {جَاعِلِ الْمَلَآئِكَةِ رُسُلاً أُولِي~ أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَأعَ } (فاطر:1)

والملائكة عالم غيبي، خلقهم الله تعالى من نور، وجعلهم طائعين، ومتذللين، وعابدين له جل جلاله، وجعل لهم وظائف متعددة لكل واحد منهم وظيفة خاصة به مثل جبريل عليه السلام فهو الموكل بالوحي ينزل به من الله تعالى إلى من شاء من رسله .
وإسرافيل الموكل بنفخ الصور، وهو من حملة العرش أيضًا .
وميكائيل الموكل بالقطر أي المطر والنبات .

فهؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة، فجبريل موكلٌ بالوحي وفيه حياة القلوب، وميكائيل موكلٌ بالقطر والنبات، وفيه حياة الأبدان في الدنيا، وإسرافيل موكلٌ بنفخ الصور، وفيه حياة الأجساد يوم القيامة.

وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل أن يقول في دعاء الاستفتاح:" اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة ... " (أخرجه مسلم).

ومن الملائكة من هو موكلٌ بقبض الأرواح، وهو ملك الموت وهذا اسمه ولم يرد له في الكتاب والسنة اسمًا آخر، قال تعالى: { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِلَ بِكُمْ } (السجدة-11)
وله أعوانًا من الملائكة يأخذون من الروح التي قبضها .

وكذلك من الملائكة ملائكةٌ سيَّاحون في الأرض، يلتمسون حِلَقِ الذكرِ، فإذا وجدوها جلسوا
كما أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تعالى تنادوا هلموا إلى حاجتكم . قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ".
وكذلك هناك ملائكة يكتبون أعمال بني آدم كما قال تعالى: { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظُينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) } (الانفطار) .

ومنهم ملائكة يتعاقبون على بني آدم في الليل والنهار، ومنهم ملائكة ركَّع سجود لله تعالى كما روي عن أبي ذرٍ رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع منها إلاَّ وفيه ملك قائمٌ لله، أو راكعٌ، أو ساجدٌ ".
(رواه أحمد والترمذي وابن ماجه)   والأطيط: صرير الرحل، أي: إذا كان على البعير حِملٌ ثقيلٌ، تسمع له صريرٌ من ثِقَلِ الحِمل .

وهذا مما يدل على كثرتهم، وقد روى مسلمٌ في صحيحه عن أنسٍ رضي الله عنه، في قصة المعراج، وفي البيت المعمور الذي مرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يطوف به، أو قال: يدخله سبعون ألف ملكٍ كل يوم، ثم لا يعودون إلى آخر ما عليهم ".   أي: يدخله كل يومٍ سبعون ألف ملكٍ غير من سبق .
ومنهم من وكله الله سبحانه وبحمده بالجنة، واسمه رضوان كما ورد في السنة، ومن وكلَّه بالنار، واسمه مالك كما جاء في القرآن العظيم .

ومن أعظم الملائكة حملة العرش، وهم ثمانية كما جاء القرآن الكريم قال تعالى: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيةُ } (الحاقة - 17)
وهم - حملة العرش - على قوتهم، وعِظَمِ خلقهم يسبحون الله جل جلاله خاضعين متذللين له سبحانه، وكذلك الملائكة أجمعين .

والملائكة عالمٌ غيبيّ لا يُشاهدون للبشر العاديين على هيئتهم، ولكن قد يرونهم في صورة بشر كما أخبر القرآن الكريم في قصة نبي الله لوط عليه السلام، وكما جاء في حديث جبريل المشهور، أما الأنبياء فيرونهم على صورتهم الحقيقة، وغيرها، وقد رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، قد سدَّ الأفق، كما جاء في البخاري من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه .

فالأصل أنهم عالمٌ غيبيّ، خلقهم الله تعالى من نور، فالإيمان بهم ركنٌ من أركان الإيمان، كذلك الإيمان بأسمائهم التي أعلمنا الله ورسوله بها، ووظائفهم واجبٌ، والإيمان أنهم أجسادٍ واجبٌ خلافًا لمن قال أنهم أرواح .

كان هذا هو الكلام مختصرًا على الركن الثاني من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالملائكة، نتبعه إن شاء الله تعالى بالكلام على بقية الأركان في المقالة القادمة بإذن الله .

هذا وما كان من تقصيرٍ أو نسيانٍ فمني ومن الشيطان، والله منه براء، وأساله سبحانه أن يجعل ما قلناه زادًا إلى حسن المصير إليه، وعتادًا إلى يمن القدوم عليه إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
   
   
   

السبت، 16 يناير 2021

شرح مصطلح الحديث - الحديث المقبول


 

شرح مصطلح الحديث - الحديث المقبول

إن الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد  

تحدثنا في المقالة السابقة بفضل الله  عن أقسام الخبر من حيث طريقة نقله، وهما قسمين : متواتر، وآحاد، ثم تحدثنا عن أقسام الآحاد وهي: مشهور، وعزيز، وغريب، وقلنا أن خبر الآحاد منه المقبول، ومنه المردود 

وفي هذه المقالة إن شاء الله تعالى نتحدث عن الخبر المقبول، وعن أقسامه ، فنقول إن الخبر المقبول هو ما ترجح صدق المخبر به ، وحكمه وجوب الاحتجاج والعمل به ، وينقسم الخبر المقبول من حيث تفاوت مرتبته إلى أربعة أقسام وهي : صحيح لذاته ، وحسن لذاته، وصحيحٍ لغيره ، وحسن لغيره . 


***  ***  ***

أقسام الحديث المقبول

الحديث الصحيح 

الحديث الصحيح : هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذٍ ولا علة 

هذا تعريف الحديث الصحيح ، وهو يحتوي على خمسة شروط هي 

أ)- إتصال  السند: ومعناه أن كل راوٍ من رواته قد أخذه مباشرةٍ عمن فوقه من اول السند إلى منتهاه ، وأن يُعلَم أن المروي عنه لم يمت قبل أن يبلغ الراوي سن التمييز .

ب)- عدالة الرواة: كل راوي من رواته اتصف بكونه مسلمًا بالغًا عاقلاً غير فاسقٍ وغير مخروم المروءة .

ج)- ضبط الرواة: أن كل راوٍ من رواته كان تام الضبط والحفظ .

د)- عدم الشذوذ: أي لا يكون حديثًا شاذًا، والشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه .

ه)- عدم العلة: أي لا يكون حديثًا معلولاً، والعلة هي سببٌ غامضٌ خفيٌ يقدح في صحة الحديث مع أن الظاهر السلامة منه.

فهذه شروط خمسة لابد من توافرها حتى يكون الحديث صحيحًا، فإذا اختل شرط واحد منها فلا يسمى حينئذ صحيحًا .

ومن أمثلة الحديث الصحيح ما أخرجه البخاري في صحيحه قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعمٍ عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور . 

فهذا الحديث صحيحًا لتوافر الشروط الخمسة للحديث الصحيح وهي:

1)- سنده متصل: فكل راوٍ من رواته سمعه من شيخه، وأما عنعنة مالكٍ عن ابن شهابٍ عن محمد بن جبيرٍ فمحمولة على الاتصال لأنهم غير مدلسين.

2)3)- رواته عدولٌ ضابطون: وهذه أوصافهم عند علماء الجرح والتعديل

فعبد الله بن يوسف ثقةٌ متقن، ومالك بن أنسٍ إمامٌ حافظٌ، وابن شهابٍ الزهريِّ فقيهٌ حافظٌ متفقٌ على جلالته وإتقانه، ومحمد بن جبير تابعيٌّ ثقةٌ، وأبيه جبير بن مطعمٍ صحابيّ.

4)- غير شاذٍ: إذ لم يعارضه ما هو أقوى منه .

5)- ليس به علةٌ من العلل .

هذا والحديث الصحيح حكمه وجوب العمل به بإجماع أهل الحديث، ومن يُعتدُّ به من الأصوليين والفقهاء، فلا يسع المسلم ترك العمل به .

أول مصنف في الحديث الصحيح المجرد ( صحيح البخاري ) ثم ( صحيح مسلم ) وقد أجمعت الأمة على تلقي كتابيهما بالقبول، فهما أصحُّ كتابين صنفهما بشر، وجملة ما في ( صحيح البخاري ) أربعة آلاف بدون المكرر، وأما ( صحيح مسلم ) بدون المكرر أربعة آلاف أيضًا .

و( صحيح البخاري ) أصحُّ من حيث كثرة الفوائد، ولإنه أشدُّ اتصالاً وأوثق رجالاً، ولإنَّ فيه من الاستنباطات الفقهية، والنكت الحُكمية ما ليس في ( صحيح مسلم )، وهذا باعتبار المجموع وإلاَّ فقد يوجد في ( صحيح مسلم ) بعض الأحاديث أقوى من بعض الأحاديث في ( صحيح البخاري )

هذا ولم يستوعب البخاري ومسلم في صحيحيهما كل الصحيح، فقال البخاري: ما أدخلت في كتابي الجامع إلاَّ ما صحَّ، وتركت من الصحاح لحال الطول ( أي خشية أن يمل الناس لطوله ).

وقال مسلم: ليس كل شئ عندي صحيح وضعته ههنا، وإنما وضعت ما أجمعوا عليه ( أي ما وجد عنده فيها شروط الصحيح المجمع عليها ).

وعليه فإنهما لم يستوعبا كل الصحيح، فوجد بقية الأحاديث الصحيحة في الكتب المعتمدة المشهورة مثل ( صحيح ابن خزيمة ) و ( ابن حبان ) و ( مستدرك الحاكم )، والسنن الأربع 

( سنن الترمذي ) و ( ابن ماجه ) و ( أبو داود ) و ( النسائي )، و( مسند الإمام أحمد ) .

ولا يكفي وجود الحديث في هذه الكتب، بل لابد من التنصيص على صحته مثل ( مستدرك الحاكم )وهو متساهل في التصحيح، فلابد من تتبعه، والحكم على أحاديثه بما يليق بحالها،كما فعل الذهبي.

وللصحيح مراتب أعلها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما ولم يخرجاه، ثم ما كان على شرط البخاري ولم يخرجه، ثم ما كان على شرط مسلم ولم يخرجه، ثم ما صحَّ عند غيرهما مما لم يكن على شرطهما .


***  ***  ***

الحديث الحسن

للحديث الحسن تعريفات مختلفة من أحسنها تعريف ابن حجر: وخبر الآحاد بنقل عدلٍ تام الضبط متصل السند غير معللٍ، ولا شاذ هو الصحيح لذاته، فإن خفَّ الضبط فالحسن لذاته .

وعلى هذا فيكون تعريف الحديث الحسن: هو ما اتصل سنده بنقل العدل الذي خفَّ ضبطه عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذٍ ولا علةٍ .

وهو كالصحيح في الاحتجاج به، ولكنه أقل منه قوة، وقد احتجَّ به الفقهاء وعملوا به .

ومن أمثلة الحديث الحسن ما أخرجه الترمذي في سننه قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضُبَعيُّ عن أبي عمران الجَونيّث عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعريِّ قال: سمعت أبي بحضرة العدّو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ أبواب الجنَّة تحت ظلال السيوف...

( قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ) .. رواة هذا الحديث ثقات إلاَّ جعفر بن سليمان الضبعي فإنه حسن الحديث كما نقل ابن حجر في تهذيب التهذيب، فبهذا فقد الحديث شرط الضبط التام فنزل إلى مرتبة الحسن  

والحديث الحسن تتفاوت مراتبه كالحديث الصحيح، وهي مرتبتين كما جعلهاالذهبي، فأعلاها: بَهْزُ بن حكيم عن أبيه عن جده، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن  إسحاق عن التيمي، وغيرهم مما قيل أنه صحيح، وهو من أدنى مراتب الصحيح.

وأدناها مرتبة: ما اختلف في تحسينه وتضعيفه مثل حديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة، وحجاج بن أرطاة، ونحوهم.

فائدة حديثية: إذا قال المحدث:( حديث صحيح الإسناد ) ولم يقل:( حديث صحيح )، أو يقول:( حديث حسن الإسناد)ولم يقل:( حديث حسن )، فهذا يعني: أنه قد يصحُّ أو يحسن الإسناد دون المتن لوجود شذوذٍ أو علةٍ خفيةٍ، فإذا قال:(حديث صحيح) فيعني أن الحديث قد توافرت فيه الشروط الخمسة لصحة الحديث، وأما إذا قال:(حديث صحيح الإسناد) فقد توافرت فيه ثلاثة شروط فقط هي اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبط الرواة، أما الشرطين الأخيرين وهما عدم الشذوذ، وعدم العلة فلم يتوافرا لعدم التثبت منهما.

ولكن إذا كان القائل محدثٌ حافظٌ معتمدٌ ولم يذكر له علة فالظاهر صحة المتن، لأن الأصل عدم العلّة والشذوذ.

ومعنى قول الترمذي وغيره:(حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)هذه العبارة استشكلها البعض لأن الحسن أدنى مرتبة من الحديث فكيف يجمع بينهما؟ 

من أحسن الأجوبة على ذلك قول ابن حجر رحمه الله: إذا كان للحديث إسنادان فأكثر فالمعنى حسنٌ باعتبار إسناد، وصحيحٌ باعتبار الإسناد الآخر.

وإذا كان له إسناد واحد فيعني: حسنٌ عند قوم، صحيحُ عند قومٍ آخرين.. وذلك لعدم ترجح أحدهما على الآخر عنده.

هذا ولم يُفرد العلماء كتبًا خاصةً بالحديث الحسن، ولكن هناك كتبًا كثر فيها الحديث الحسن من أشهرها (سنن الترمذي) فهو أصلٌ في معرفة الحسن، وهو الذي شهره، وقد أكثر الترمذي من ذكره في كتابه.

وكذلك كتاب (سنن أبي داود)، وقد نص فيه على أنه يذكر فيه الصحيح وما يشابهه أو يقاربه، وأن ما كان فيه وهنٌ شديدٌ بيَّنه، وما لم يذكر فيه شئٌ فهو صالح.

و كتاب(سنن الدار قطني) وقد نصَّ فيه على كثير منه.

الخلاصة أن هذان قسمان من أقسام الحديث المقبول، ونستكمل في المقالة القادمة بإذن الله تعالى الكلام عن القسمين الأخرين من أقسام المقبول.

هذا وما كان من تقصيرٍ أو نسيانٍ فمني ومن الشيطان، والله منه براء، وأساله سبحانه أن يجعل ما قلناه زادًا إلى حسن المصير إليه، وعتادًا إلى يمن القدوم عليه إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

   


 




                          


  


الجمعة، 8 يناير 2021

شرح مصطلح الحديث

شرح مصطلح الحديث

مقدمة في مصطلح الحديث

إن الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد :

فإن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدين كله وأنزل عليه الكتاب والحكمة وهما القرآن العظيم، والسنُة النبوية المطهرة، ليبين للناس ما نُزٍّل إليهم، ولعلهم يتفكرون، فيهتدون ويفلحون .

والكتاب والسنّة هما الأصلان اللذان قامت بهما حُجة الله تعالى على عباده، واللذان تُبنى عليهما الأحكام الاعتقادية، والعملية إيجابًا، ونفيًّا .

والمستدل بالقرآن يحتاج إلى النظر في دلالة النص على الحكم، ولا يحتاج إلى النظر في مسنده لأنه ثابتٌ ثبوتًا قطعيًّا بالنقل المتواتر لفظًا ومعنى، قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الْذِكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } .

والمستدل بالسُنَّة يحتاج إلى النظر في أمرين اثنين :

الأول : النظر في ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ ليس كل ما نُسِبَ إليه صحيحًا .

والثاني : النظر في دلالة النص على الحكم .

ومن أجل النظر الأول احتِيجَ إلى قوانين، وقواعد يُميز بها المقبول من المردود فيما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد سماه العلماء ( مصطلح الحديث ) .

____________

تعريف مصطلح الحديث

مصطلح الحديث هو علمٌ يُعرَفُ به حال الراوي، والمروي من حيث القبول والرد .

يعني : معرفة ما يُقبل ويردُّ من الراوي والمروي .

والحديث: هو ما أُضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ، أو وصفٍ .

والخبر: هو ما أُضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى غيره فهو أعمُّ من الحديث .

والأثر: هو ما أُضيف إلى الصحابي او التابعي، وقد يراد به ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم مقيدًا، فيقال: وفي الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم .

والحديث القدسي: هو ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل .

مثل قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملاءٍ ذكرته في ملاءٍ خيرٌ منهم ".

ومرتبة الحديث القدسي هي بين القرآن الكريم والحديث النبوي، فهو يُنسبُ إلى الله تعالى معنًى لا لفظًا، فمعناه من الله تعالى ولفظه من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يُنقل بالتواتر ، فمنه الصحيح، والضعيف، والمنقطع، والموضوع،  بعكس القرآن الكريم فهو يُنسبُ إلى الله تعالى لفظًا ومعنًى ومتعبَدًا بتلاوته، وحصل به التحدي، ونُقل بالتواتر،وذلك ليس للحديث القدسي، وأما الحديث النبوي فيُنسبُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم معنًى ولفظًا .


كانت هذه مقدمة مختصرة عن مصطلح الحديث، والآن نبدأ في شرحه بإذن الله عز وجل

-----------------------------------------------------------------------------------

أقسام الخبر

ينقسم الخبر إلى قسمين من حيث طرق نقله وهما :

الأول: المتواتر .

والثاني: الآحاد .

______________

المتواتر

الخبر المتواتر: هو ما رواه جماعةً يستحيل في العادة أن يتواطؤا على الكذب، وأسندوه إلى شئ محسوس، وهو قسمين :

الأول: متواتر لفظًا ومعنًى: وهو ما اتفق الرواة فيه على لفظه ومعناه، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ".

فقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ستين صحابيَّا منهم العشرة المبشرين بالجنة ورواه عنهم خلقٌ كثيرٌ .

الثاني: متواتر معنًى: وهو ما اتفق فيه الرواة على معنًى كلىَّ، وانفرد كل  حديثٍ بمعناه الخاص.

مثل أحاديث الشفاعة، والمسح على الخفين .

والمتواتر بقسميه يفيد العلم وهو القطع بصحة نسبته إلى من نُقل عنه، ويفيد كذلك العمل بما دلَّ عليه تصديقًا إن كان خبرًا، وتطبيقًا إن كان طلبًا .

ومن أشهر المصنفات في المتواتر كتاب ( الأزهار المتناثرة ) للسيوطي، وله اختصار وهو( قطف الأزهار) .

____________________________________________________

 الآحاد

خبر الآحاد: هو ما سوى المتواتر، وينقسم باعتبار الطرق ثلاثة أقسام وهي: مشهور، وعزيز، وغريب .

أولاً- المشهور: هو ما رواه ثلاثةً فأكثر في كل طبقة من الإسناد ( وهو سلسلة الرجال الموصلة للمتن ) ما لم يبلغ حدَّ التواتر .

مثاله الحديث الذي رواه الشيخان، والترمذي، وأحمد، وابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعه ... " .

وما رواه الشيخان أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: " المسلمُ من سلِمَ المسلمونَ من لسانهِ ويدهِ " .

وحكم المشهور: هو لا يوصف بكونه صحيحًا أو غير صحيح، ولكن إن صحَّ المشهور يترجح على العزيز والغريب .

ثانيًا- العزيز: وهو ما رواه اثنان فقط في جميع طبقات السند، وسُمي بذلك لقلته وندرته، وربما رواه ثلاثة مثلاً فهذا لا يضرُّ بشرط أن تبقى ولو طبقة واحدة فيها اثنان من الرواة .

مثل ما رواه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه، ورواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده، وولده، والناس أجمعين ".

ثالثًا- الغريب: وهو بمعنى المنفرد، وهو ما ينفرد بروايته راوٍ واحدٍ في كل طبقة، وينقسم إلى نوعين:

الأول: الغريب المطلق وهو ما كانت غرابته في أصل السند وهو الصحابي مثل حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" إنما الأعمال بالنيات " رواه البخاري- هذا وقد يستمر التفرد إلى ىخر السند .

الثاني: الغريب النسبي وهو ما كانت الغرابة في أثناء سنده كأن يرويه أكثر من راوٍ في اصل سنده ثم ينفرد بروايته راوٍ واحدٍ عن أولئك الرواة، مثل الحديث الذي رواه الشيخان عن مالك عن الزهري عن أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر .

تفرد به مالك عن الزهري .

- هذه كانت أقسام الخبر من حيث طرق نقله، فالمتواتر مقطوعٌ بصحته، وأما الآحاد فلا يقطع بصحته لهذا انقسم من حيث درجته إلى قسمين هما: المقبول، والمردود، وهذا ما سوف نتكلم عنه في المقالة القادمة بإذن الله تعالى .

نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا إنه بكل جميلٍ كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .  

ِ***  ***  ***

الجمعة، 27 نوفمبر 2020

شرح مقدمة العقيدة الواسطية


 شرح مقدمة العقيدة الواسطية

إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وأحسن الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة،

وكل ضلالة في النار .

 

فقد تحدثنا في المقالات السابقة عن مقدمة مختصرة عن تعريف العقيدة وأهميتها ، وتكلمنا كذلك عن أقسام التوحيد وهو توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات وذكرنا سبب تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لهذه العقيدة التي هي عقيدة أهل السُنَّة والجماعة.

وفي هذه المقالة نبدأ بإذن الله تعالى بشرح هذه العقيدة ، ونبدأها بشرح المقدمة، والله المستعان .

_____________________

المقدمة

 

يقول المؤلف رحمه الله : " بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا .. وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا ..... "

____________________________________________

 

قوله ( أشهد ) يعني : أُقرُّ بقلبي، ناطقًا بلساني، لأن الشهادة نطقٌ وإخبارٌ عما في القلب، واختير لفظ الشهادة دون الإقرار، لأن الشهادة أصلها من شهود الشئ أي : حضوره ورؤيته، فكأن المخبر عما في قلبه الناطق بلسانه، كأنه يشاهد الأمر بعينيه .

قوله ( لا إله إلاَّ الله ) أي : لا معبود بحقٍّ إلاَّ الله تعالى، وفي ذلك نفيٌ وإثبات، نفي الألوهية عما سوى الله تعالى، وهي العبادة، وإثباتها لله وحده لا شريك له .

قوله ( وحده لا شريك له ) وحده : هو كما ذكرنا توكيدٌ للإثبات، لا شريك له : هي توكيدٌ للنفي، وشهادة أن لا إله إلاَّ الله ليست كلمةً تقال باللسان فحسب، بل لها مقتضى يجب العمل به ، فمن شهد ( أن لا إله إلاّ الله ) أي : تكلم بها عارفًا لمعناها،عاملاً بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا، كما قال تعالى : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ }

محمد:19 ، وقوله تعالى : { إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } الزخرف:86

أما النطقُ بها من غير معرفةٍ بمعناها، ولا يقين، ولا عمل بمقتضاها من البراءة من الشرك، وإخلاصُ القول والعمل، وهو قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فغير نافعٍ بالإجماع، كما قال القرطبي رحمه الله : (لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين بل لابد من استيقان القلب ) .

وفي هذا دليلٌ على فساد مذهب المرجئة القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كافٍ في الإيمان لأنه يلزم  

منه تسويغ النفاق والحكم للنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطلٌ قطعًا

___________________

شروط  ( لا إله إلاَّ الله )


فلابد في شهادة (أن لا إله إلاّ الله) من سبعة شروطٍ لا تنفع قائلها إلاّ باجتماعها وهي :

الأول : العلمُ المنافي للجهلِ .

الثاني : اليقين المنافي للشك .

الثالث : القبول المنافي للردِّ .

الرابع : الانقياد المنافي للترك .

الخامس : الإخلاص المنافي للشرك .

السادس : الصدق المنافي للكذب .

السابع : المحبة المنافية لعدمها .

وفي هذا دليلٌ على أن أول واجبٍ على العبد هو التوحيد، الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، ولهذا كان أول ما دعت إليه الرسل { أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } وقوله : { أَن لاَ تَعْبُدُوآ إِلاَّ الله }

قال ابن القيم رحمه الله تعالى : (ولهذا خاطب الرسل أممهم مخاطبة من لا شك عنده في الله، وإنما دعوهم إلى عبادة الله وحده لا إلى الإقرار به، فقالت لهم : { أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }، فوجوده سبحانه، وربوبيته، وقدرته أظهر من كل شئٍ على الإطلاق .

إذن فهذه الشهادة تنفي الإلهية عما سوى الله تعالى، وهي العبادة، وإثباتها لله وحده لا شريك له .

والعبادة بجميع أنواعها إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع والتذلل رغبًا ورهبًا، وهذا كله لا يستحقه إلا الله سبحانه وبحمده، فمن صرف من ذلك شيئًا لغير الله فقد جعل لله ندًّا، فلا ينفعه مع ذلك قولٌ ولا عملٌ .

قوله ( إقرارًا به وتوحيدًا ) إقرار : مصدر، وإن شئت فقل : مفعول مطلق، لأن مصدره معنوي لقوله أشهد .

وتوحيدًا : مصدر مؤكد لقوله لا إله إلاَّ الله .

______________

يقول المؤلف رحمه الله : " وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .... "

________________________________________________

قوله ( محمدًا ) : هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي الذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، فهو أشرف الناس نسبًا صلى الله عليه وسلم .

قوله ( عبده ورسوله ) معنى العبد هنا : المملوك العابد أي أنه مملوكٌ لله تعالى، والعبودية الخاصة وصْفُه كما قال تعالى : { أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدُهُ }، فأعلى مراتب العبد : العبودية الخاصة والرسالة، فالنبيِّ صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق في هاتين الصفتين الشريفتين، فهو صلى الله عليه وسلم أعبد الناس لله تعالى، وأشدهم تحقيقًا لعبادته، وهو أتقى الناس لربه، فهو عبدٌ لله، ومقتضى عبوديته أن لا يملك لنفسه، ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا، وليس له حقٌّ في الربوبية إطلآقًا، بل هو عبدٌ محتاجٌ لربه مفتقرًا له يسأله، ويدعوه، ويرجوه ويخافه، بل أمره الله تعالى بأن يبلغ بلاغًا خاصًا فقال : { قُلْ لآ أَمْلِكُ لِنَفْسي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ وَلَو كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّو~ء }  الأعراف:188

وأما الرسالة : فليست لأحدٍ بعده صلى الله عليه وسلم، لأنه خاتم النبيين وقد بلغ منزلةً لم يبلغها أحدٌ من البشر أو الملائكة حيث عُرِجَ به إلى موضعٍ يسمع فيه صريف أقلام القضاء الذي يقضي به الله تعالى في خلقه، وكلَّمه الله بلا واسطة، وأرسله إلى الخلق كافة، وأيَّده بالآيات العظيمة وهو القرآن الكريم، وختم به النبيين والرسل .

وبهاتين الصفتين وجمعهما دفعًا للإفراط والتفريط، فإن كثيرًا ممن يدَّعي أنه من أمته أفرط بالغلو قولاً وفعلاً، وفرَّط بترك متابعته، واعتمد على الآراء المخالفة لما جاء به، وتعسَّف في تأويل أخباره وأحكامه بصرفها عن مدلولها، والصدف عن الانقياد لها مع اطراحها، فإن شهادة أن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله تقتضي الإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه زجر، وان يعظم أمره ونهيه ولا يقدم عليه قول أحدٍ كائنًا من كان، لأن غيره يجوز عليه الخطأ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم قد عصمه الله تعالى، وأمرنا بطاعته والتأسي به، وتوعدنا على ترك طاعته {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولَهُ أَمْرًا أَن يَّكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} وقال:{ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَو يُصِيبَهُمْ عَذّابٌ أَلِيمٌ }

قال الإمام أحمد رحمه الله :( أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شئٌ من الزيغ فيهلك ) .

______________

 

يقول المؤلف رحمه الله: " صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا "

______________________________________________

 

قوله ( صلى الله عليه ): أحسن ما قيل في صلاة الله على نبيِّه قول أبو العالية رحمه الله:

( صلى الله على رسوله هي : ثناؤه عليه في الملأ الأعلى ) .

وأما تفسيرها بالرحمة فضعيف، لأنها تكون لأي أحدٍ .

قوله ( وعلى آله وصحبه ) الآلُ هنا : أتباعه على دينه، هذا إذا ذُكرَت وحدها أو مع الصحب، وأما إذا قُرنت بالأتباع فهم المؤمنون من آل بيته صلى الله عليه وسلم، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية ( آله وصحبه ) ولم يذكر الأتباع ف ( آله ) هم أتباعه على دينه، و(صحبه ) هم كل من اجتمع به صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على ذلك .

وعطف الصحب هنا على الآل من باب عطف الخاص على العام، لأن الصحبة أخصُّ من مطلق الإتباع .

قوله ( وسلم تسليمًا مزيدًا ) سلَّم : من السلامة من الآفات، وفي الصلاة حصول الخيرات، فجمع المؤلف في هذه الصيغة بين سؤال الله تعالى أن يُحقق لنبيِّه صلى الله عليه وسلم الخيرات، وأخصَّها الثناء عليه في الملأ الأعلى، وأن يُزيل عنه الآفات ، وكذلك من اتبعه .

قوله ( مزيدًا ) بمعنى زائدًا، والمراد تسليمًا زائدًا على الصلاة، فيكون دعاءً آخر بالسلام بعد الصلاة .

_______________

تعريف الفرقة الناجية

 

يقول المؤلف رحمه الله : " أما بعد .. فهذا اعتقادُ الفرقةِ الناجيةِ المنصورةِ إلى قيامِ الساعةِ، أهل السُنَّةِ والجماعةِ ..... "

______________________________________________

 

قوله ( أما بعد ) أما : هذه نائبةٌ عن اسم الشرط وفعله، والتقدير: مهما يكن من شئ. فقولهم أما بعد فتقديره : مهما يكن من شئٍ بعد هذا فهذا .

قوله ( فهذا اعتقادُ ) فهذا : إشارة، أي: فهذا الذي بين يدي القارئ كذا وكذا .

( اعتقاد ) لغةً: افتعال من العقد، وهو الربط والشد بقوة، واصطلاحًا: هو الجزم بالشئ في القلب، يعني: جزمتُ به في قلبي، فإن طابق الواقع فصحيح، وإن خالف الواقع ففاسد، فاعتقادنا أن الله عز وجل إلهٌ واحدٌ هذا صحيح، واعتقاد النصارى أن الله ثالث ثلاثة فباطل، لأنه مخالفٌ للواقع، ووجه ارتباطه بالمعنى اللغوي ظاهرٌ

لأن هذا الذي حكم في قلبه على شئ ما كأنه عقده عليه، وربطه وشدَّ عليه بقوة بحيث لا يتفلت منه .

قوله ( الفرقةِ الناجيةِ ) الفرقة: بمعنى الطائفة قال تعالى: { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ

مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ } [ التوبة:122] وهي مأخوذةٌ من الافتراق.

الناجية: إسم فاعل من نجا إذا سَلِمْ ، وهي ناجيةٌ في الدنيا من البدعِ سالمةٌ منها

وناجية في الآخرة من النار.

ووجه ذلك أن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : " وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعينَ فِرْقةٍ، كلَّها في النار إلاَّ واحدة ". قالوا: من هي يا رسول الله ؟ قال :

"من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي ".

فهذا الحديث يبين معنى الفرقة الناجية، فمن لزم سُنَّةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

وأصحابه، ولم يلتفت لغيرها من المناهج الفاسدة، فقد نجا من البدع في الدنيا، ونجا في الآخرة من النار .

قوله ( المنصورة إلى قيام الساعة ): عبَّر المؤلف بذلك موافقة للحديث المتواتر الذي أخرجه البخاريُّ ومسلمَ حيث قال النبيِّ صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحقِّ ظاهرينَ... "والظهور: أي الانتصار لقوله تعالى: { فَأَيَّدَنَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا عَلَى عَدُّوِهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } ( الصف:14)

والذي ينصرها هو الله تعالى، فهي منصورة إلى قيام الساعة .

(إلى قيام الساعة ) : إلى يوم القيامة، وقد أخبر النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن الساعة تقوم على شِرارِ الخلقِ كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلمٌ في صحيحه من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وأنه لا تقوم حتى لا يقال ( الله الله ) كما في حديث أنس رضي الله عنه عند مسلمٌ أيضًا، فكيف يُجمَع هذا مع قوله " إلى قيام الساعة " ؟

والجواب هو أن المراد إلى قُرب قيام الساعة لقوله صلى الله عليه وسلم: " حتى يأتي أمرُ اللهِ ". [ رواه البخاري ومسلم ]

قوله ( أهلُ السُنَّةِ والجماعة ) أضافهم إلى السُنَّةِ، لأنهم مستمسكون بها .

وأما الجماعة: لأنهم مجتمعون عليها، فأهلُ السُنَّةِ والجماعةِ هم الذين استمسكوا بسُنَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم، واجتمعوا عليها، ولهذا لم تفترق هذه الأمة كما افترق أهل البدع، فنجد أهل البدع مفترقين كالجهمية، والمعتزلة، والروافض، وغيرهم من أهل التعطيل، لكن هذه الفرقة مجتمعة على الحقِّ، وإن حصل بينهم خلافٌ فهو لا يضرُّ، ولا يُضللُّ بعضهم بعضًا بذلك الخلاف، بل تتسعُ صدورهم له وإلاّ فإنهم قد اختلفوا في أشياءٍ مما يتعلق بالعقيدة مثلُ هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه عز وجل بعينيه أما لا ؟ ومثله هل عذاب القبر على البدن والروح ، أو الروح فقط ؟ وهذه المسائل تُعدُّ فرعيَّة بالنسبة للأصول، وليست من الأصول، وبالرغم من ذلك لم يُضللِّ بعضهم بعضًا، خلافًا لأهل البدع والأهواء .

ويخرج من أهل السُنَّة والجماعة من خالفهم في طريقتهم، فالأشاعرة والماتريدية مثلاً لا يُعدُّون من أهل السُنَّة والجماعة في هذا الباب، لأنهم مخالفون لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في إجراء صفات الله سبحانه وتعالى على حقيقتها، ولهذا يخطئ من يقول: إن أهل السُنَّة والجماعة ثلاثة – سلفيون، وأشاعرة، وماتريدية – فهذا خطأ فكيف يمكن أن يكونوا جماعة وهم مختلفون؟

فأهل السُنَّة كما سبق الذين تمسكوا بطريقة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا جماعة لاجتماعهم عليها، فكيف يمكن الجمع بين الأضداد ؟ فماذا بعد الحقِّ إلاَّ الضلال، وعلى هذا فمن وافق السُنَّة فهو من أهل السُنَّة، ومن خالف السُنَّة فليس منها، وعلى هذا أيضًا نقول أن السلف هم أهل السُنَّة والجماعة معتقدًا، حتى المتأخر إلى يوم القيامة إذا كان على طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فإنه سلفيّ.

___________________

اعتقاد أهل السُنَّةِ والجماعة

الإيمان بالله


 يقول المؤلف رحمه الله:" وهو الإيمانُ باللهِ، وملائكتهِ، وكتبهِ، ورسلهِ، والبعثُ بعد الموتِ،والإيمانُ بالقَدَرِ خيرهِ وشرِّهِ ..... "

 

 

هذه العقيدة أصَّلها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، وذلك في حديث جبريل المشهور الذي رواه مسلمٌ في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه: أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، والإيمان، والإحسان،ومتى الساعة؟

وكان من جوابه صلى الله عليه وسلم أن قال في الإيمان: " أن تؤمن باللهِ، وملائكتهِ

وكتبهِ، ورسلهِ، واليومِ الآخرِ، والقَدَرِ خيرهِ، وشرِّهِ "

قوله ( الإيمان بالله ) الإيمان لغةً: هو الإقرارُ بالشئِ عن تصديقٍ به، تقول: آمنتُ بكذا، وأقررتُ بكذا، وصدَّقتُ فلانًا .

وعلى هذا فالإيمان يتضمن معنىً زائدًا على مجرد التصديق، وهو الإقرار، والاعتراف المستلزم للقبول للأخبار، والإذعان للأحكام، فهذا هو الإيمان، أما مجرد أن تؤمن بأن الله موجود، فهذا ليس بإيمانٍ على الحقيقة .

والإيمان يتضمن أربعة أمور وهي: الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته .

فمن آمن بواحدة من هذه الأمور الأربعة دون البقية فليس بمؤمن .

أما الإيمان بوجوده سبحانه وبحمده دليله الفطرة، والعقل، والحِسّ، والشرع .

فبالفطرة يُعرفُ وجود الله سبحانه، حيث أن الخلق جميعهم مفطورون على وجود الله تعالى لقوله عز وجل: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذرِّيَتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسَهُمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذّا غَافِلِينَ }

[ الأعراف:172] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: " كلُّ مولودٌ يولدُ على الفطرة، فأبواه يُهودانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانه " [ رواه البخاري ومسلم ]

وحتى البهائم، والطيور يعرفون ويؤمنون بوجود الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم في قصة النملة مع سليمان عليه السلام حينما خرج يستسقي، فوجد نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها نحو السماء تقول: اللهم أنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا سقياك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم . [ رواه أحمد في الزهد ]

ويستدل بالعقل على وجود الله تعالى أن الموجودات لم توجد بنفسها، ولم توجد صدفة

فالعقل يأبى ذلك ويرفضه، فكل موجود لابد له من واجد، ولا يوجد شئ بالصدفة، فالسيارات، والطائرات، وجميع الآلات التي يستعملها البشر اليوم هل وجدت صدفة أم كان لها من صانع؟ كذلك السماوات والأرض والكواكب والنجوم والشمس والقمر والجبال والمحيطات وسائر المخلوقات لم توجد صدفة .

ويقال أن طائفة ممن انحرفت فطرتهم جاؤوا إلى أبي حنيفة رحمه الله، فناظروه في إثبات الخالق جل وعلا، فوعدهم أن يأتوا بعد يوم أو يومين، فلما جاؤوا قالوا له: ماذا قلت؟ قال: أنا أفكر في سفينة مملوءة بالبضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرست في الميناء، وأنزلت حمولتها وذهبت، وليس لها قائد، ولا حمَّالون .

قالوا: أتفكر بهذا؟ قال: نعم . قالوا: إذًا ليس لك عقل، فهل يُعقل أن سفينة تأتي بدون قائد، وتُنزل حمولتها بدون حمَّالون وتنصرف؟ هذا لا يُعقل ! قال: كيف لا تعقلون هذا

وتعقلون أن هذه السماوات والأرض، والشمس والقمر، والنجوم والجبال، والشجر والدوابِّ والناس كلها بدون صانع؟

فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهمن وعجزوا عن جوابه هذا .

وقيل لأعرابيِّ من البادية: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماءٍ ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير؟

قال تعالى: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَئٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } [ الطور:35 ]

وبالحسِّ عرفنا وجود الله تعالى أليس الإنسان يدعوا الله  فيقول: يا رب، ويدعوا بالشئ، ثم يستجاب له، ةيرى ذلك بعينيه؟ قال تعالى:{ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذكَّرُونَ } [ النمل:62]

والأعرابي الذي دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة قال: هلكت الأموال، وانقطعت السُبل، فادع الله يُغيثنا . قال أنس: والله ما في السماء من سحابٍ ولا قزعة، وما بيننا وبين سلعٍ من بيتٍ ولا دار.... وبعد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فورًا خرجت سحابة مثل الترس، وارتفعت في السماء، وانتشرت ورعدت وبرقت ونزل المطر، فما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاَّ والمطر يتحادر من لحيته صلى الله عليه وسلم . [ رواه البخاري ومسلم ]

فهذا مما يدل دلالة حسيّة على وجود الله تعالى .

وأما الشرع فمن تأمله وجد أته شرعٌ محكمٌ ما ترك صغيرةٍ، ولا كبيرةٍ إلاَّ ووضع لها حُكمًا ثابتًا، وهذا لا يصدر من عقلٍ بشريٍ، لأنه منذ خُلِقَ الإنسان لم يستطع إنسانٌ أن يأتي بمثل هذا الشرع المحكم، إذًا هو شرع إلهيّ لا يصدر إلاَّ بوجود إلهٍ عظيمٍ ذو حكمة بالغة مطلقة، قال تعالى: { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ الَّلطِيفُ الْخَبِيرُ } [ الملك:14]

وهذا القرآن العظيم بين أيدينا يستحيل أن يؤلفه بشرٌ أو جنِّ، فهو كلام الله تعالي أعجز به كل خلقه .

فهذه دلائل أربعة على وجود الله سبحانه وبحمده .

وأخيرًا كان هذا الكلام عن اعتقاد أهل السُنَّة والجماعة، وعن الفرقة الناجية، وعن الإيمان بالله تعالى في مقدمة ابن تيمية رحمه الله في كتابه العقيدة الواسطية، ونستكمل الحديث في المقالات القادمة بإذن الله عز وجل عن بقية أركان الإيمان بالله تعالى .

هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على نبيينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    

 

 

 

 

 

المقالات

شرح العقيدة الواسطية- الإيمان بالبعث

  شرح العقيدة الواسطية- الإيمان بالبعث نواصل في هذه المقالة الحديث عن أركان الإيمان، وكنا قد تحدثنا في السابق عن أربعة من هذه الأركان، وهي :...